آفاق الكتابة › اضف ادراجا جديدا.
1
تراجيدية الجسد في
ً أجساد… و قبرة * لرشيد البوشاري
دراسة في العتبات
يولد الإنسان جمرة ساخنة ، ثم يشرع في
الإنطفاء عند ارتطامه ببرد العالم .
عبد الحميد بندا وود - كتاب التشظي -
تمهيد
و أنا أقرأ نصوص ً أجساد.. . و قبرة ً تساءلت مع نفسي : هل خرج القاص رشيد البوشاري
من تحت معطف جوجول أم أن القاص تمرد عليه ، عتقد أن الإجابة على هذا السؤال ليس بالأمر الهين ، و ذلك لعدة اعتبارات . لكن ما يهمنا في هذه القراءة ليس الحديث عن القصة القصيرة ، عن خصائصها ، عن عناصرها ، و هل استطاعت قصص رشيد البوشاري أن تكون وفية لهذه المقاييس . لكن ما نحاول أن نتلمسه في هذه المجموعة القصصية – و نقول ذلك تجاوزا - هو الطابع المأساوي لشخصيات هذه النصوص ، هذه الشخصيات التي تنتمي في معظمها – ربما كلها – إلى الطبقة المقهورة – التي تعيش في الأسفل – هذا الطابع المأساوي أو الحزين لا يتجسد فقط على مستوى الذات بل على مستوى الواقع ، على مستوى الحياة اليومية ، من خلال العلاقات بالآخرين … فيكون بذلك القاص قد اختار أبطال نصوصه من بسطاء الناس ، من الفقراء ، من متشردي الشوارع … فما يقدمه لنا نعرفه بل نعيشه أحيانا ، لكن طريقة تقديمه تختلف عن القصص القصيرة التقليدية التي تعودنا عليها عند مبدعي القصة القصيرة . فنحن في قصص البوشاري ندرك ذلك على شكل لقطة أو على شكل فكرة ، أو رؤية سريعة ، تقترب من الشعر أحيانا كثيرة ، محاولا بذلك أن يخلق ليس فقط روابط بين نصوصه وهذا الواقع المأساوي ، بل بين نصوصه و المتلقي حين تستفزه هذه النصوص ، من خلال اقتناص القاص للحظات من الحياة اليومية ، قبل أن
تنفلت من بين يديه ، لكن قبل الحديث عن الطابع المأساوي الذي تتسم به شخوص هذه النصوص ، سنحاول أن ننطلق من النص الموازي أو المصاحب أو بتعبير جيرار جينيت النص الملحق المباشر 1 مركزا على : أ ) الغلاف ب ) العنوان ج ) الإهداء د ) التقديم
1 - الغلاف
يشكل الغلاف نصا ملحقا مباشرا و ذلك من خلال إثارة انتباه المتلقي ، فهو يشكل علامة دالة باعتباره عتبة من عتبات النص و مدخلا لقراءته ، هذه العتبات تقود القارىء إلى مركز الانفعالات و حركية الحياة في مسالك النص 2 و الغلاف كأحد هذه العتبات يساهم في توجيه المتلقي و رسم أفق انتظاره 3 و ليس تمة شك في أن الناشر يتحمل مسؤولية كبرى في طريقة و جمالية إخراج
هذا الغلاف – هذه العتبة - و إن كان هذا الاختيار قد يتم باتفاق بين الكاتب و الناشر . وغلاف – أجساد … و قبرة – يتشكل من دالين أو خطابين ، خطاب لفظي – شكل الحروف – و التي يحيل على اسم المؤلف ، عنوان الكتاب ، جنس الكتاب ، دار النشر . ثم خطاب تشكيلي ايقوني يتجسد في لوحة تشكيلية تجريدية من إبداع الفنان عبد الوهاب الزين .
الخطاب التشكيلي
هذه اللوحة تشكل هدفا جماليا يسبق الهدف المعرفي لدى المتلقي أثناء إدراكه أو في قراءته المباشرة الأولى للغلاف ، فالهدفان لا يلغي أحدهما الآخر . بل يشكلان حافزا من أجل القراءة، فما علاقة العنوان بهذه اللوحة ؟
تاخذ اللوحة التشكيلية على الغلاف شكلين مختلفين 1 ) شكل أكبر يحتل الغلاف بكامله ، و هو أقل وضوحا يهيمن عليه اللون البني الفاتح ، لون التراب – لون الجسد – لون أجسادنا ، و هو لون القبرات كذلك ، هذا الطائر المغرد الذي يكثر وقت الحصاد . 2 ) شكل أصغر لنفس اللوحة يتموقع وسط الغلاف يبدو أوضح من الصورة الأولى لكنه يظل تجريديا ، مورفولوجيا نميز بين عدة ألوان
الأسود، الأصفر، الأبيض ، البني ثم امتزاج بين لونين أحيانا ، حيث يهيمن اللون الأبيض المشوب بقليل من السواد على هذه اللوحة ، هذه الألوان لها دلالات رمزية باعتبارها طاقة مرئية ، تؤثر في حالاتنا ، بل إن اللون نفسه قد يأخذ رموزا متناقضة أحيانا ، حسب السياق الذي ترد فيه . فالأصفر لون ساخن رمز للمعارضة رمز للحصاد … ، الأسود يحيل على الموت ، الحزن ، التيه … - و هو مصير شخصيات نصوص هذه المجموعة – امتزاج هذه الألوان ، هو هذا الصراع بين الأمل و الألم بين الحياة و الموت ، بين الطموح و السقوط … هذا الصراع هو الذي طبع شخصيات هذه النصوص . ثم هذه الخطوط العمودية و الأفقية و المتقاطعة … ألا تعكس مصير هذه الشخوص
- الأجساد - هذه الخطوط نحو الأعلى ألا توحي بالرغبة نحو الأفق ، الرغبة في الطموح ، و في
الصعود ، ثم هذه المتجهة نحو الأسفل ، ألا توحي بالانكسار و السقوط ، أليس نص » و يبقى الدم أحمر.. » أبلغ مثال عن هذا السقوط . و أخيرا أليس تقاطع هذه الخطوط هو تعبير عن كل المتاهات و التداخلات التي تميز أبطال هذه النصوص . إن الخطوط تعبر عن القيد كما تعبر عن الحرية ، عن المسار الذي يسلكه الإنسان 4.
و خلاصة القول إن هذه اللوحة التشكيلية التي يصعب إدراك كل مكامنها لطابعها التجريدي و غموض دلالتها ، باعتبارها رسما اللا تشخيصا ، يمكن أن تعكس من خلال بعض علاماتها و دلالة ألوانها أفق انتظار القارىء . لكن ما درجة وعي القارىء بذلك ؟ وعن أي قارئ نتحدث ؟
الخطاب اللفظي
الخطاب اللفظي على الغلاف يتكون من أربعة عناصر: اسم المؤلف ، العنوان ، جنس الكتاب ، ثم دار النشر .
ولا شك أن الخط العربي يتميز بالقدرة على التشكيل انطلاقا من الأبعاد التي يتخذها ، فالخط كأداة … و شكل فني يقع في المدى الأوسط بين دلالته اللغوية و الفنية 5 فتنوع هذه الخطوط من خلال ليونتها و انسيابها و طواعيتها يعكس تنوع هذه النصوص ، لنقل أنه يعكس تردد و حيرة و انسياق هذه الشخوص نحو مصيرها … و لا شك كذلك أن الهدف الجمالي لهذه الخطوط يسبق الهدف المعرفي ، فهذا الخطاب اللفظي يثير المتلقي بتنوع شكل الخطوط ، فمثلا اسم المؤلف – رشيد البوشاري –
يتموقع في أعلى الغلاف ، و يهيمن عليه اللون الأصفر – وما لهذا اللون من دلالة – و مكتوب بخط مغربي، هل ذلك يكشف عن هوية المبدع ؟ عن انتمائه … تم هذا الموقع الذي يحتله – في وسط الغلاف – بين اليمين و اليسار ، هل يعكس هذه الحيرة ، أم يشكل البؤرة الأساسية التي تقتحمها العين ، في أسفل ، وجهة اليسار نجد اسم الناشر ، - منشورات الديوان – و بخط من أنواع الخط الكوفي ، في جهة اليمين نصادف ما يحيلنا على جنس هذه النصوص – قصص - وقد كتبت بالخط النسخي ، ثم العنوان – أجساد … و قبرة – و قد كتب بخط يختلف عن باقي الخطوط الأخرى و بشكل أكبر نسبيا … لكن ما يثير الانتباه ، ما نصادفه في الصفحة الثالثة ، حيث نجد نفس الخطاب اللفظي ، لكن موقع هذه العناصر الأربعة يتغير ، كما يتغير نوع الخطوط ، فيصبح مثلا اسم المؤلف في الأعلى جهة اليمين ، و بخط غير خط الغلاف ، ثم يتقدم لفظ – قصص – إلى الأعلى و بخط مختلف عن الغلاف ، بعدما كان في نفس المستوى مع اسم دار النشر … هذه أمثلة تبرز هذا التحول في هذه الإيقونات ، و لا شك أن قارئ هذه النصوص يكتشف تلك التحولات التي تطبع خصوصا أحداث و شخصيات هذه القصص . هذه التحولات تتخذ طابعا مأساويا في جل القصص و إن لم نقل كلها ، تقود نحو الانتحار أو العزلة أو التيه …
العنوان
يشكل العنوان عنصرا من عناصر النص الملحق ، ويعد مدخلا مهما من خلال إثارته للمتلقي ، فهو بمثابة إعلان ، أي يعلن عن بضاعة ما ، من هذا المنطلق يحدد القارئ أفق انتظارا ته ، لأنه يمدنا بمفاتيح أولية لاقتحام النص و إن صحت المشابهة فهو بمثابة الرأس للجسد يحدد هوية النص 6 قد يكون طويلا فيساعد على توقع المضمون ، أو قصيرا فلا بد من قرائن أخرى فوق لغوية توحي بما يتبعه 7 . العنوان إذن عتبة أساسية لسبر أعماق أي نص ، لأنه يكون مشحونا بالعديد من الدلالات الرمزية ، يلعب و وظيفة ، يشتغل كفاتح للشهية «. .. أي يفتح شهية القارئ و يخلق فيه الرغبة في استهلاك البضاعة .. إنها عملية شبيهة بالتشويق …» 8 إنه كلام معسول يسبق عرض البضاعة.
أجساد… و قبرة
يتكون هذا العنوان من لفظين أو دالين متعاطفين :
¤ أجساد : جمع تكسير على وزن أفعال ، مفرده جسد ، هو جمع قلة – ما دل على ثلاثة فما فوق إلى
عشرة – و هو جسم الإنسان ، و الجسد كذلك جمع أجساد وهي الدماء اليابسة 9 . فما المقصود إذن بالأجساد ؟ هل هي هذه الأجسام الإنسانية ؟ أم هي هذه الدماء التي تخترث – دماء هذه الشخوص - . التي سالت على الاسفلت الأسود ؟
¤ ثم ما دلالة هذه النقط المتتابعة ( …) هل هي تعبير عن صفات مأساوية لهذه الأجساد ، هل هي تعبير عن كلام محذوف – ناقص – مرادف للحرمان … ، هل هي نقطة البداية ثم نقطة النهاية . ام هي خط متقطع ، مادام الخط المستقيم هو مجموعة من النقط المتصلة ، أيمكن أن نعتبر هذه النقط عبارة عن طابور – صف – لهذه الأجساد وهي تسير نحو حتفها ؟ أم تعبر عن حالات خاصة ، أم أن البوشاري يمنحنا الفرصة لنتمم نحن ما لم تستطع كلماته أن تعرب عنه …
¤ الواو له معان أخرى غير العطف ، و حين يكون للعطف فيفيد مطلق الجمع ، أي الحرية المطلقة بين
العطف و المعطوف في الترتيب … فيمكن أن نعكس العنوان ليصبح : قبرة … و أجساد.
¤ قبرة : عصفور من فصيلة القبريات ، تسمى كذلك قنبرة و قنبراء وهو طائر دائم التغريد ، يبحث عن غدائه في الحقول ، رمز للجمال و الحرية ، فما علاقة هذا الجمال و التغريد بالأجساد أو بالدماء اليابسة ؟ حسب المعنى الذي حددنا سابقا للجسد . إن قراءة النص الذي يحمل عنوان المجموعة القصصية كفيل بتحديد أي المعنيين اقرب . و هو ما سنحاول ابرازه أثناء مقاربتنا لهذا النص .
الإهداء
الإهداء عتبة من عتبات النص و تندرج في إطار النص الملحق المباشر ، و هذه العتبة لا تلزم كل النصوص ، لكن وجودها له دلالة لا تقل عن أهمية العنوان ، فيصبح الإهداء « … احد المداخل الأولية لكل قراءة ممكنة للنص … » 10 و يتخذ الإهداء سياقات متعددة ، و صيغ مختلفة ، صيغ تختلف من كاتب لآخر حسب طبيعة المهدئ إليه ، و مجمل القول يكون الإهداء تكريم أو احتفاء بالمتلقي و تعبير عما يحضى به المهدى له من تقدير من قبل المؤلف 11 .وفي إهداء رشيد البوشاري نجد في الصفحة الخامسة مايلي :
إلى نبع الحنان الدافق : أمي
إلى القلب الطاهر: أبي
إلى كينونتي : أختي
إلى الرائعين من أصدقائي
إلى نفوس من أحببناهم و غادرونا في صمت رهيب …
هذا الإهداء في الواقع يتكون من خمس اهداءات ، تبدأ كلها بحرف الجر إلى ، وهي تجمع بين الإهداء الخاص ، وهو الإهداء الموجه إلى أشخاص تربطهم بالكاتب صلات أو علاقات متينة و حميمية كما هو الحال بالنسبة للإهداء المقدم للأب و الأم و الأخت و الأصدقاء ، فما يجمع
هؤلاء بالكاتب هو حضورهم الفعلي في حياة المؤلف ، قربهم منه ، في حياته الخاصة و حياته العامة ، رغم درجات اختلاف هذا الحضور ، لكن ما يميز هذا الإهداء الخاص هو روح التفاؤل و الحياة و الحب ، و المعجم اللغوي يعكس ذلك بوضوح : النبع ، الحنان ، الدافق ، القلب ، الطاهر ، الكينونة ، الرائعين … هل هذا التفاؤل بالحياة ، و هذا الحب و الروعة و الطهارة .. نجد لها صدى ، في نصوص المجموعة ، هل للأب و الأم و الأخت و الأصدقاء حضور فعلي في إبداع المؤلف ؟ أسئلة مشروعة نطرحها ، و تجيب عنها نصوص المجموعة .
الإهداء الخامس إهداء عام ، يأخذ طابعا مأساويا موجه لأشخاص غير محددين ، ربما لا نعرفهم لكن ما يجمعهم و هذا الغياب ، هذا الرحيل دون أن يلتفت إليهم أحد ، و لنتأمل هذه العلامات الدالة : نفوس ( مرادف للروح ) ، غادرونا ، الصمت ، رهيب . إن هذا الإهداء يعكس هذه
الثنائية : الموت و الحياة ، الطموح و الانهيار ، الألم و الأمل ، الحضور و الغياب … و التي تميز هذه النصوص .
التقديم
التقديم عتبة مباشرة ، خطاب يفصح للمتلقي عن طبيعة النص ، يقدم له آليات مسبقة لهذا الأثر أي لقراءته ، فهو بذلك قد يقيد حرية القارىء ، وقد يكون أحيانا إساءة حقيقية لجوهر العمل الإبداعي الذي يفترض فيه توافره على القدر الكافي من الاستقلال . إن العمل الجيد لا يحتاج إلى تقديم حسب جينيت 12 ، فالتقديم و إن كان مدخلا مهما لقراءة العمل الأدبي ، فإنه يفقده الكثير
من دلالاته ، بل ينسج وساطة غير مرغوب فيها بين المبدع و المتلقي 13 . في هذه المجموعة يتموقع التقديم في الصفحتين التاسعة و العاشرة ، بتوقيع الدكتور جمال بوطيب
و من خلال الأنواع الثلاثة التي حددها الناقد الفرنسي جيرار جينيت ، يصنف هذا التقديم في التقديم الغيري أي أن المقدم هو شخص حقيقي و واقعي - د جمال بو طيب -.
يتكون هذا التقديم من فقرتين أساسيتين :
الفقرة الأولى – تبدأ من أول التقديم ………….. إلى من خلال انشغاله المسرحي
الفقرة الثانية – من و تعلن هذه المجموعة ………إلى نهاية التقديم .
في الفقرة الأولى نستشف أن المبدع – رشيد البوشاري – قبل أن يكتوي بحرقة الكتابة فقد
اكتوى بلوعة المسرح ، وقدر المسرحي ، خاصة الممثل أن يكتب ، بجسده أولا على الركح ثم على الورقة ، و يستعرض المقدم نماذج من هؤلاء الذين عرفهم ، من سوريا و تونس ثم من العراق و المغرب… ففي هذه الفقرة المقدم يركز على الكاتب و الميدان الفني الذي جاء منه .
الفقرة الثانية يركز فيها المقدم على نصوص المجموعة ، محددا و بشكل سريع و خاطف العوالم التي تحكمها ، و قدرة القاص على الجمع و التأليف ايجابيا بين السلبيات ، بالإضافة إلى تنوع الافضية و الأمكنة و الشخوص… فتقديم جمال بو طيب جاء قصيرا بعيدا عن القراءة التحليلية المفصلة ، متجنبا النقد الجارح ، بل مشجعا للكاتب – .. الذي أدركته حرفة الأدب – على نشر نصوصه . يقول المقدم: «… بعد أن ظللت أشجعه على نشرها.. » . من هنا نتساءل ما طبيعة هذا التقديم ؟ ما وظيفته ؟ هل هذا التقديم جاء تعريفيا ؟ أو تحليليا ؟ أم توجيهيا ؟ أم أنه جاء تجنيسيا ؟ أو ميتالغويا ؟ إن حجم التقديم لا يمنحنا هذه الفرصة لتحديد هذه الوظيفة . أما طبيعة التقديم ، فتفرض علينا معرفة العلاقة التي تربط بين المبدع و المقدم ، حتى ندرك
هل تمة مجاملة أم أن المقدم يقول الحقيقة . و عموما نقول أن التقديم باختلاف الوظيفة التي يسعى إليها ، فإن
المزيد