آفاق الكتابة › اضف ادراجا جديدا.
النص ، القارىء ، القراءة أي علاقة ؟
شكل النص الأدبي – شعرا أو نثرا – إهتماما كبيرا في الدراسات النقدية القديمة و الحديثة و ظل هذا الاهتمام يربط و بطريقة مباشرة بين المبدع - الكاتب – و الأثر الأدبي – النص- فالنقد الإجتماعي و الماركسية يرى في النص إنعكاسا للبنية الإجتماعية التي أنتجته ، لذلك ربطه النقاد بالإيديولوجيا و الطبقة الاجتماعية التي ينتمي إليها المؤلف ، أي إلى قراءة ما هو تاريخي –إجتماعي و فكري ، أما التحليل النفسي فقد أسقط مفهوم اللاوعي على الأثر الأدبي و أرجعه إلى عقدة أوديب والتي تعد من أهم المفاهيم الأساسية التي أنتجها التحليل النفسي مع فرويد ثم جان لاكان أما النقد التكويني أنطلق من فرضية تعتبر الأثر الأدبي عند اكتماله هو حصيلة عملية تكونه ، محاولا إكتشاف الآثارالمادية التي يتركها هذا العمل ، لكن النقد الجديد سيعرف تحولا كبيرا مع الشكلانيين الروس ، حيث رأوا في العمل الأدبي أولا وقبل كل شيء نظاما من الأدلة 1 . و إعتمد هذا النقد على التطور المهم الذي عرفته اللسانيات ، ومع النقد الشكلي بدأ يتضح أن النص أخذ طريقه نحو التحرر من الذات المبدعة ، ليستقل بنفسه ككائن مستقل و منفصل يحمل في طياته الكثير من التأويلات ، و مفتوح على العديد من القراءات . لكن مع رولان بارط كأحد رموز و رواد النقد البنيوي سيمنح للنص استقلالا تاما ، و ذلك عندما أعلن في مقالته الشهيرة سنة - 1968- موت الكاتب، أي عدم التركيز على المؤلف ، أوالقصد من النص ، مادام الكاتب ليس موجودا بيننا ، بل يذهب رولان بارط إلى أن بمجرد أن تتم طباعة النص يفقد الكاتب صلته بالنص ، ولا يصبح مالكا له ، ولا يتمتع بأي حقـوق فكرية 2. موت الكاتب عند بارت سيؤدي بالضرورة إلى ميلاد طرف آخر في هذه المعادلة وهو القارئ أو الناقد والذي ستصبح له الحرية الكاملة ليستبيح النص و يفعل به ما يشاء ، مادام مبدع النص هو خارج هذه المعادلة. و إذا كان النص يظل في ذهن المؤلف بإعتباره أول قارئ له و ناقد ، فإنه يتحول إلى ذهن القارئ و بأشكال مختلفة تماما ، ذلك أن الاهتمام بالمؤلف أو بالنص لم يعد هو الأساس بل إن الاهتمام بالقارئ و شروط القراءة هو ما يهمنا أولا و أخيرا ،هذا القارئ – أي قارئ - و في أي عصر يعطي للنص تفسيرا أو تفسيرات لا حدود لها مادام ليست هناك مقاييس يمكن الرجوع إليها ليشترشد بها هذا القارئ ، فقد أدى هذا الوضع إلى أن النصوص أصبحت تحتمل أي معنى و لا معنى 3. فأصبح بذلك القارئ أو الناقد هو المبدع ا لحقيقي ، يبتدع معان داخل النص دون أن يتقيد بشروط معينة ، بذلك غدا هو العنصر الأساس مادام النص في إدراكه لا يوجد إلا داخل وعي القارئ ، من هنا كان هـذا الاهتمام بالقارئ وحده ضربة موجعة للنص نفسه ، و القارئ نفسه في تفسيره لهذا النص يصبح هو المبدع لمعان جديدة ، يقدم نسخته الممكنة في التفسير ، نسخته تتحكم فيها سياقات تاريخية وإجتماعية و ثقافية تختلف عن سياقات الآخرين 4 وقد أشار عبد الفتاح كليطو إلى ذلك .«..فالقارئ يقرأ النص انطلاقا من إهتمامات تخصه أو الجماعة التي ينتمي إليها ، القارئ يهدف دائما إلى غرض… يسعى إلى إثباته .. . » 5 هكذا تصبح علاقة القارئ بالنص علاقة متينة ، يطبعها التوحد ، علاقة متداخلة يصعب التمييز بين الطرفين ، فيغدو بذلك القارئ هو النص ، و النص هو القارئ ، ومن خلال هذا الانصهار و الذوبان ، أي ذوبان كل منهما داخل الآخر ، هو ما عبر عنه بارط بلذة النص ، أي متعة القراءة و ذلك من خلال إنتهاك النص و إفتضاض بكارته ، و ذلك ليس بالامر الهين «…أن تمارس الكتابة هو أن تموت لنفسك و لذاتك ، و أن تمارس القراءة هو أن تقبل أن يأخذك الكاتب إلى شواطئ المتعــة و الموت…» 6 فالقراءة بهذا المعنى هي القراءة الواعية و التي ترتبط باستعداد هذا القارئ هذا، الإستعدادد تحكمه شروط الثقافة ، شروط الزمان و المكان ، مادام النص يكتسب قيمته من هذه الشروط ، فالقارئ من هذا المنطلق يقتحم النص ، و الذي قد يبدو أول الأمرمغلقا ، لكن ما فتىء يكشف عن مفاتنه و عوالمه و عمق تفاعله مع الانساق الأخرى ، لإن في نهاية المطاف لا يملك فقط خصائص ما يطرحه من معان أو تيمات التي تشكل بنيته «… بل يقدم لنا ويخلق أمامنا شروطا للإدراك… » 7 وذلك ما يدفع القارئ أثناء قراءته للنص إلى طرح أسئلة كثيرة يبحث عن الجواب عنها من النص ، و أحيانا يمارس تعسفا على النص ، حيث يلجأ إلى بتره أو قطع أجزاء منه و جذب أجزاء أخرى تتسم مع التأويل الذي يسعى إليه 8 بخلاف أن النص هو كيان مستقل و شامل لا يمكن أن ندرك عـوالـمه وبنيته الكاملة إلا من خلال كل عناصره المشكلة له ، و القارئ – الناقد - عليه أن يـدخـل معه في تفاعل و حوار و إنصهار ، إذ ليست هناك عناصر ثانوية و أخرى رئيسية في النص. لكن عن أي قراءة نتحدث ؟ وعن أي قارئ ؟
القراءة ليست لعبة مجانية ، ليست هواية نلجأ إليها في لحظا معينة ، أثناء السفر ، أو نحن
نشاهد التلفاز ، القراءة نشاط ذهني واع ، إنها قراءة من يبحث على السمو و الخلاص إنها قراءة من يحاول إعاد ة بناء الواقع بالحلم ، أو تجسيد الحلم في الواقع ، لذلك تختلف القراءة من شخص إلى آخر ، هذا الاختلاف يعود إلى القارئ و درجة وعيه بالقراءة – أي بالنص المقروء - فتودروف يميز بين ثلاثة أنواع من القراءة : القراءة الاسقاطية و التي تبتعد عن النص و تلجأ إلى ما يحيط به مثل الكاتب أو المجتمع، و القراءة الشارحة وهي اجترار أو إعادة النص بلغة مغايرة ، و القراءة الشاعرية التي تسعى إلى الكـشف على ما هو باطني، أي قراءته من خلال شفرته 9. أما مفهوم القراءة عند رولان بـارت يتخذ شكلا مميزا « … القراءة وحدها تعشق الأثر الأدبي و أن نقيم معه علاقة شـهوة فأن نقرأ معناه أن نشتهي الأثر ، و أن نرغب أن نكونه 10 إن مفهموم النـشـوة هي ما عبر عنه بلذة النص التي أشرنا إليها و هو تعبير جعله رولان بارط عنوانا لأحد كتبه المهمة و الذي صدر سنة - 1973 - معتبرا بذلك القراءة هي العنصر الذي يساعـد القارئ على القيام بدور فعلي إيجابي ، من خلال هذا العشق الذي ينشأ بين الطرفين . إن القراءة من هذا المنطلق ليست فعلا بسيطا ، ليست فعلا بصريا ، و ليست عملية تلـقي الخطاب كأن النص حدد نهائيا ، بل إنها « … أشبه ما تكون بقراءة الفلاسفة للوجود إنها فعل خلاق … يسير في دروب ملتوية جدا من الدلالات نصادفها و نتوهمها …فنختلقها إختلاقا…» 11 أما بيار ماشي فيجعل فعل القراءة مثل فعل الكتابة فالظروف التي تؤثر في الكتابة هي نفس الظروف التي تؤثر في القراءة محذرا من عملية التخلص من أسطورة غياب المبدع و الوقوع في أسطورة المتلقي ، فكلاهما وهم . لكن أهم ما وصلت إليه العناية بالقراءة و القارئ ، هو ما ذهبت إليه نظرية جـمـالـية التلقي أو التقبل ، هذه النظرية نشأت في ألمانيا و أثارث نقاشا مهما و خصبا و لعل مـا يميز هذه النظرية أنها حققت خطوتين أساسيتين : الأولى هو التحول عن النص و مبدعه بإعتبار الأول كيانا مستقلا بذاته ، و ثاني أي الكاتب الذي قصد إلى قول شيء أو توصيل معنى و الثانية : النقلة إلى القارئ و محاولة تحديد المعنى بتجربة القراءة «…القراءة لم تعد هي التي تحدد معنى النص فقط، بل أصبحت هي إثبات وجوده…» 12 لذلك و جهت هذه النظرية نقدا عنيفا للمناهج النقدية ، و يعتبر هـانس روبر يوص أحد أشهر ممثليها حيث أخذ بمفهوم ً أفق الانتظار ً و إعتبره عنصرا أساسيا لفعل القراءة ، فهو مجمل التوقعات و التخمينات التي يتزود بها القارئ عن النص قبل أن يشرع في ممارسة فعل القراءة 13 لذلك فأفق الانتظار عند هذا الناقد يتجسم في تلك العلامات و الدعوات و الإشارات التي تفترض إستعدادا مسبقا لدى الجمهور لتلقي الأثر ، و يوص يؤكد و يؤمن بأهمية سلطة القارئ و يقلل من أهمية النص ، مؤمنا بما سماه القراءة التفسيرية ، فقد أصبحت هذه القراءة عنده نتيجة العلاقة الجدلية بين الطرفين ، بين الأسئلة التي يثيرها القارئ و بين الأجوبة التي يقدمها النص ، و بين هذه الأخيرة و بين المؤلف الجديد ، أي القارئ ليكتب هو نصا آخر 14 .
وخلاصة القول أن إن القراءة فعل واع ، متأن ، مصغ ، قراءة متيم و متأمل و عاشق للنص إنها القراءة التي تغير الذات ، التي لاتستسلم للنص ، بل تدخل معه في حوار، باحثة عن مفاتنه ، عن تميزه ، عن دلالاته المتعددة ، و تأويلاته ألا نهائية ، عبر مختلف العـصـور ذلك هو سر خلود الأثر الأدبي .
إذا كان هذا هو موقف بعض النقاد من القراءة ، فعن أي قارئ نتحدث ؟
إن إنتقال سلطة النص في النقد الحديث إلى سلطة القارئ ، و إهتمام النقاد بالمتلقي أصبحنا أمام سيل من المفاهيم و المصطلحات تصف هذا القارئ بمسميات مختلفة ، و هذا شـيء طبيعي ، أولا بسبب اختلاف القراء أنفسهم ، و درجة و عيهم بالقراءة و بالأثر الأدبي من جهة ، و من جهة أخرى هو هذا التعدد في الترجمات . فإريك دونالد هيرش يميز بين نوعين من القراء ، القارئ العادي الذي يدرك المعنى اللفظي و يقف عند حدوده ، أي عند حدود الفهم ، أما القارئ العليم لا يتوقف عند هذا الحد ، بل يكون قادرا علـى إعـادة بناء النص أي إلى ملء فراغات النص 15 وقد أضاف رولان بارط صفة أخرى يـجب أن تتوفر في القارئ هي القدرة حل وفك شفرات و رموز النص باعتـباره رسالة مشفرة أما و لـفانجانج اسر Wolfgang iser الذي ينتمي إلى مدرسة التلقي فقد نعت القارئ المثالي عنده بالضمني ، وهو القادر على مزج الأفقين ، أفق الماضي و أفق الحاضر أي البعد التاريخي و المعاصر ، و يوص hans robert jauss تحدث عن القارئ التاريخي الذي عاصر النص و القارئ الحديث الذي يقرأ النص اليوم . 16 . أما الدكتور رشيد بنحدو فيميز بين ثلاث أنواع من القراء : القارئ العادي ، القارئ
الناقد، القارئ الكاتب . 17 و وقف بعض النقاد عند القارئ النموذجي ، أو الأعلى و الذي يسميه بارط بالمهووس وقد أحصى الدكتورمحمد المتقن أكثر من عشرين اسما مثل : الخبير ، الحقيقي ، الناقد ، المؤهل ، المقصود ، الافتراضي ، المعاصر ، الأصلي ، المثالي…. 18 والواقع أن أغلب هذه المفاهيم هي مسميات لمسمى واحد ، ذلك أن القارئ الأصيل ،الخبير النموذجي أو ما شئت من الأسماء يبقى هو القادر على إفتضاض بكارات النص ، و إعادة بنائه مرات متعددة و قراءة دلالاته اللفظية و النصية بصيغ مختلفة ، و يمكن وصفه بقائد أوركسترا يقود فرقة موسيقية تعزف كل مرة أنغاما جديدة . إنه يبعث في النص ليس عن حياة واحدة بل حيوات ، يملأ فرغاته ، مادامت حياة النص تشبـه إلى حد كبير حياة القارئ ، ففي كل منها فراغات و عوالم خفية ، وعلى كل واحد أن يكمل الآخر في درجة من التماهي… هل من يقرأ شعر طرفة بن العبد مثلا ، هو من يقرأ مجلة نسائية ؟ و إن كان كل منهما معجب بما يقرأ . الجواب متروك للقارئ … بعد هذا الحديث المركز عن القارئ في علاقته بالنص ، والحديث عن القراءة في علاقتها بالقارئ ، فما هو النص وما علاقته بالطرفين معا ؟
مفهوم النص
كان لظهوراالشكلانيين الروس دور بارز في الانتقال من الاهتمام بالكاتب إلى الاهتمام النص ، وقد بنى هؤلاء موقفهم على مبدأين إثنين : أولا أنهم حصروا اهتمامهم في نطاق النص ، ثانيا أنهم رفضوا مبدأ ثنائية الشكل و المضمون ، و بذلك رفضوا ما ذهب إليه النقد التقليدي ، ويعتبر ياكبسون رائد هذه الجماعة حينما أعلن « أن موضوع علم الأدب ليس هو الأدب و إنما الأدبية » 19 و بذلك يكون قد ركز على الوظيفة الشعرية أي ما يجعل من عمل ما عملا أدبيا . و الوظيفة الشعرية عنده هي واحدة من ست وظائف مرتبطة بالعوامل التي تشكل عملية الاتصال ، و يأخذ النص سماته من تدرج وتكامل هذه الوظائف ، و يعرف رومان ياكبسون هذه الوظيفة المهيمنة « عنصر بؤري للأثر الأدبي ، إنها تتحكم و تحدد و تغير العناصر الأخرى ، كما أنها تضمن تلاحم البنية » 20 .
أما باختين فالنص بالنسية إليه مادة أولية تقوم بتحليلها الالسنية و الفلسفة و النقد الأدبي و غير ذلك من العلوم على أساس أن النص هو تلك الواقعة التي تتأسس عليها هذه العلوم ، فهو من هذا المنطلق يرى أنه حيث لا يوجد نص فليس ثمة موضوع للبحث و التفكير ، أما جاك دريدا فيبني تصورا جديدا للنص معتمدا فيه على تاريخ الفلسفة فالنص عنده لعبة مغلقة و منفتحة في آن ، النص لا يملك أبا واحدا ، و لا جذرا واحدا إن الانتماء التاريخي لنص ما لا يكون أبدا بخط مستقيم ، النص من هذا المنظور له عدة أعمار عند دريدا 21.
أما رولان بارط فكان له وعي كبير بالنص و بالكتابة ، فالنص عنده نسق أو نظام « .. ليس
الأدب إلا لغة ، أي نظام من العلامات ، إن حقيقته ليست في الرسالة التي يريد أن يؤديها و إنما هي كامنة في هذا النظام …» 22 لكن مفهومه للنص لا يعتبر اللغة أداة تواصل تتسم بالتقريرية بل يجب البحث عن المعاني المتعددة و راءها ، و أن محاولة إمتلاك النص سيكون مصيرها الفشل لان النص في عمقه متعدد المعاني . فالنص مفتوح و القارئ يعيد إنتاجه بإعتباره نصا تلذذيا مرتبط بالشهوانية ، يحيا بحضور المؤلف أو غيابه . لكن من أهم التعاريف و الذي لقي إهتماما من طرف النقاد ما ذهبت إليه جوليا كريستيفا فهي ترى أن النص ليس مجرد خطاب أو قول بل هو جهاز عبر- لغوي يعيد توزيع نظام اللغة ويـتصل بنصوص و خطابات سابقة أو معاصرة له ، فالنص كما تقول ج كريستيفا هو امتصاص أو تحويل لوفرة من النصوص الأخرى 23 من هذا المنطلق يصبح النص هو إعادة كتابة لنصوص أخرى دخلت ذهن المبدع في فترات مختلفة وهي نصوص تنتمي إلى مجالات متعددة . و النقد العربي القديم تنبه كثيرا الى هذه المسألة ، وذهب بعضهم إلى أن الاتفاق في المعاني و الأفكار لايعد سرقة ، لإن العديد من الامور هي مشتركة بين الناس ، لكن درجة الاختلاف تكمن في صورة إبداع و شكل هذه المعاني « فمن أخذ منهم معنى بلفظه فقد سرقه ،ومن أخذه ببعض لفظه فقد سلخه ، و من أخذه عاريا و كساه من عنده لفظا فهو أحق به ممن أخده منه …» 24 لذلك استعمل النقاد القدامى العديد من المفاهيم التي تعكس أخذ الخلف عن السلف . و من هذه المفاهيم :التلميح ، التضمين ، الاتفاق ، الاشارة ، القلب ،الاقتباس … و في النقد الحديث نف






















