Yahoo!

النص ، القارىء ، القراءة أي علاقة ؟

كتبها الرموتي حسن ، في 6 مارس 2009 الساعة: 23:27 م

آفاق الكتابة › اضف ادراجا جديدا.

 

 

              النص ، القارىء ، القراءة أي علاقة   ؟

 

 

 

شكل النص الأدبي – شعرا أو نثرا –  إهتماما كبيرا في الدراسات النقدية القديمة و الحديثة و ظل هذا الاهتمام يربط  و بطريقة  مباشرة  بين  المبدع  - الكاتب –  و الأثر الأدبي  – النص-  فالنقد الإجتماعي و الماركسية يرى في النص إنعكاسا  للبنية الإجتماعية التي أنتجته ، لذلك ربطه النقاد بالإيديولوجيا  و الطبقة  الاجتماعية  التي  ينتمي إليها المؤلف ، أي  إلى قراءة  ما هو تاريخي –إجتماعي و فكري ، أما التحليل النفسي فقد أسقط  مفهوم اللاوعي على الأثر الأدبي و أرجعه إلى عقدة  أوديب والتي تعد  من أهم المفاهيم الأساسية التي أنتجها التحليل النفسي مع  فرويد ثم  جان لاكان  أما النقد التكويني أنطلق  من  فرضية  تعتبر الأثر الأدبي عند  اكتماله هو حصيلة  عملية تكونه ، محاولا إكتشاف  الآثارالمادية التي  يتركها هذا العمل ،  لكن النقد الجديد سيعرف  تحولا كبيرا مع الشكلانيين الروس ،  حيث رأوا في العمل الأدبي أولا وقبل  كل شيء  نظاما من الأدلة  1 . و إعتمد هذا النقد على التطور المهم الذي عرفته اللسانيات ،  ومع النقد الشكلي بدأ يتضح أن النص أخذ طريقه  نحو التحرر من الذات المبدعة ،  ليستقل بنفسه ككائن مستقل و منفصل  يحمل في  طياته الكثير من التأويلات  ،  و مفتوح  على العديد  من القراءات .  لكن  مع  رولان  بارط  كأحد  رموز و رواد النقد  البنيوي  سيمنح  للنص  استقلالا  تاما ،  و ذلك عندما أعلن  في مقالته الشهيرة سنة - 1968-  موت الكاتب، أي عدم التركيز على المؤلف ، أوالقصد من النص ، مادام الكاتب  ليس موجودا  بيننا ،  بل  يذهب رولان  بارط  إلى أن  بمجرد أن تتم  طباعة النص  يفقد الكاتب صلته بالنص ، ولا يصبح  مالكا له ، ولا يتمتع  بأي  حقـوق  فكرية 2.  موت الكاتب عند بارت  سيؤدي   بالضرورة  إلى ميلاد طرف آخر في هذه  المعادلة وهو القارئ  أو الناقد والذي ستصبح  له الحرية  الكاملة  ليستبيح  النص  و يفعل  به ما يشاء ، مادام مبدع  النص هو خارج هذه المعادلة.  و إذا كان النص يظل في ذهن المؤلف بإعتباره أول قارئ  له و ناقد ، فإنه  يتحول إلى ذهن القارئ  و بأشكال  مختلفة تماما ،  ذلك أن الاهتمام  بالمؤلف أو  بالنص لم  يعد هو الأساس بل  إن الاهتمام بالقارئ  و شروط القراءة هو ما يهمنا أولا و أخيرا ،هذا القارئ   – أي قارئ - و في أي  عصر يعطي  للنص  تفسيرا أو تفسيرات لا حدود لها  مادام  ليست هناك  مقاييس  يمكن الرجوع  إليها  ليشترشد بها  هذا القارئ ، فقد  أدى هذا الوضع إلى أن النصوص أصبحت  تحتمل أي معنى و لا معنى 3.  فأصبح  بذلك القارئ  أو الناقد هو المبدع ا لحقيقي ،  يبتدع  معان داخل النص دون أن  يتقيد  بشروط  معينة ،  بذلك غدا هو العنصر الأساس  مادام النص في إدراكه لا يوجد إلا داخل  وعي القارئ ، من  هنا  كان هـذا الاهتمام  بالقارئ  وحده ضربة  موجعة للنص  نفسه ،  و القارئ  نفسه  في  تفسيره  لهذا النص  يصبح هو المبدع  لمعان  جديدة ،  يقدم  نسخته الممكنة  في التفسير ،  نسخته  تتحكم  فيها  سياقات  تاريخية  وإجتماعية  و ثقافية  تختلف  عن  سياقات الآخرين 4   وقد أشار عبد الفتاح كليطو  إلى  ذلك  .«..فالقارئ  يقرأ النص انطلاقا  من إهتمامات  تخصه أو الجماعة التي  ينتمي  إليها ، القارئ   يهدف دائما  إلى غرض… يسعى إلى إثباته .. . »  5  هكذا  تصبح  علاقة  القارئ   بالنص علاقة  متينة  ،  يطبعها  التوحد ، علاقة  متداخلة  يصعب  التمييز بين  الطرفين ،  فيغدو بذلك  القارئ  هو النص ،  و النص هو القارئ ، ومن خلال هذا الانصهار و الذوبان ، أي  ذوبان  كل منهما داخل الآخر  ، هو ما عبر عنه  بارط  بلذة  النص ، أي  متعة  القراءة  و ذلك  من خلال  إنتهاك  النص و إفتضاض  بكارته  ،  و ذلك ليس  بالامر الهين  «…أن  تمارس الكتابة  هو أن  تموت  لنفسك  و لذاتك ، و أن تمارس القراءة  هو أن  تقبل أن  يأخذك الكاتب إلى  شواطئ  المتعــة و الموت…» 6  فالقراءة  بهذا  المعنى هي القراءة  الواعية و التي ترتبط  باستعداد هذا القارئ هذا، الإستعدادد  تحكمه شروط الثقافة ،  شروط الزمان  و المكان ،  مادام  النص  يكتسب  قيمته من  هذه الشروط  ،  فالقارئ  من  هذا المنطلق  يقتحم  النص ،  و الذي  قد  يبدو أول  الأمرمغلقا ،  لكن ما فتىء  يكشف عن  مفاتنه و عوالمه و عمق  تفاعله مع الانساق الأخرى ، لإن في نهاية المطاف لا يملك  فقط  خصائص ما يطرحه من معان أو تيمات التي تشكل  بنيته «… بل يقدم  لنا ويخلق أمامنا شروطا للإدراك… » 7  وذلك ما يدفع القارئ  أثناء  قراءته  للنص إلى  طرح أسئلة  كثيرة  يبحث عن الجواب عنها  من  النص ، و أحيانا  يمارس  تعسفا  على  النص ، حيث  يلجأ إلى  بتره أو قطع أجزاء  منه  و جذب  أجزاء أخرى  تتسم  مع التأويل الذي  يسعى إليه 8  بخلاف أن  النص هو كيان  مستقل و شامل لا يمكن أن  ندرك عـوالـمه  وبنيته  الكاملة إلا من  خلال  كل عناصره المشكلة له ، و القارئ  – الناقد -  عليه  أن  يـدخـل معه  في  تفاعل  و حوار و إنصهار ، إذ  ليست  هناك عناصر ثانوية و أخرى  رئيسية  في النص.  لكن عن أي قراءة نتحدث ؟ وعن أي قارئ ؟

القراءة  ليست  لعبة مجانية ،  ليست هواية  نلجأ  إليها  في لحظا  معينة ،  أثناء  السفر ، أو نحن

نشاهد التلفاز ، القراءة  نشاط  ذهني  واع  ، إنها  قراءة  من  يبحث على السمو و الخلاص  إنها قراءة  من  يحاول إعاد ة بناء  الواقع بالحلم ، أو تجسيد  الحلم في الواقع ،  لذلك  تختلف  القراءة  من  شخص إلى آخر ، هذا  الاختلاف  يعود  إلى القارئ  و درجة  وعيه  بالقراءة – أي  بالنص المقروء -  فتودروف  يميز بين  ثلاثة أنواع  من القراءة  :  القراءة  الاسقاطية و التي  تبتعد عن النص و تلجأ إلى ما  يحيط  به مثل الكاتب  أو المجتمع، و القراءة الشارحة وهي اجترار أو إعادة النص  بلغة مغايرة ، و القراءة  الشاعرية التي  تسعى إلى الكـشف على ما هو باطني، أي  قراءته من خلال  شفرته 9.  أما مفهوم القراءة عند رولان  بـارت يتخذ شكلا مميزا  « … القراءة  وحدها  تعشق الأثر الأدبي و أن  نقيم  معه علاقة  شـهوة  فأن  نقرأ معناه أن  نشتهي الأثر ، و أن نرغب  أن نكونه  10     إن مفهموم النـشـوة  هي ما عبر عنه  بلذة  النص التي أشرنا  إليها  و هو تعبير جعله رولان  بارط  عنوانا لأحد كتبه المهمة و الذي  صدر سنة - 1973 -  معتبرا بذلك القراءة هي العنصر الذي  يساعـد القارئ  على القيام  بدور فعلي  إيجابي ،  من  خلال  هذا العشق الذي ينشأ  بين  الطرفين . إن  القراءة  من  هذا المنطلق  ليست  فعلا  بسيطا ،  ليست  فعلا  بصريا ،  و ليست عملية  تلـقي  الخطاب  كأن النص  حدد نهائيا ،  بل  إنها  «  … أشبه  ما تكون  بقراءة  الفلاسفة  للوجود  إنها  فعل  خلاق   … يسير في  دروب  ملتوية  جدا من  الدلالات   نصادفها  و نتوهمها …فنختلقها  إختلاقا…» 11   أما  بيار ماشي  فيجعل  فعل  القراءة  مثل  فعل  الكتابة  فالظروف  التي  تؤثر في الكتابة  هي  نفس  الظروف  التي  تؤثر في القراءة  محذرا  من عملية التخلص من أسطورة  غياب المبدع و الوقوع  في أسطورة المتلقي ، فكلاهما وهم .  لكن أهم  ما وصلت إليه العناية  بالقراءة  و القارئ ، هو ما ذهبت إليه  نظرية جـمـالـية التلقي أو التقبل ، هذه النظرية  نشأت في ألمانيا و أثارث  نقاشا مهما و خصبا و لعل  مـا يميز هذه النظرية  أنها حققت خطوتين أساسيتين : الأولى هو التحول عن النص و مبدعه بإعتبار الأول  كيانا مستقلا بذاته ، و ثاني أي  الكاتب الذي  قصد  إلى  قول  شيء  أو توصيل  معنى  و الثانية  :  النقلة  إلى  القارئ  و محاولة  تحديد المعنى  بتجربة القراءة   «…القراءة لم تعد هي التي تحدد معنى النص فقط، بل أصبحت هي  إثبات  وجوده…» 12  لذلك  و جهت  هذه  النظرية  نقدا  عنيفا  للمناهج  النقدية ،  و يعتبر هـانس  روبر يوص  أحد  أشهر ممثليها  حيث  أخذ  بمفهوم  ً أفق  الانتظار  ً و إعتبره عنصرا أساسيا  لفعل القراءة ،  فهو مجمل  التوقعات و التخمينات  التي  يتزود  بها  القارئ  عن النص  قبل أن  يشرع  في ممارسة  فعل القراءة 13 لذلك  فأفق الانتظار عند هذا الناقد يتجسم في تلك العلامات  و الدعوات و الإشارات التي  تفترض إستعدادا  مسبقا  لدى الجمهور لتلقي الأثر ، و يوص  يؤكد  و يؤمن  بأهمية  سلطة القارئ   و يقلل  من أهمية  النص  ،  مؤمنا  بما  سماه  القراءة  التفسيرية ،  فقد  أصبحت هذه  القراءة عنده  نتيجة  العلاقة الجدلية  بين الطرفين ،  بين الأسئلة التي يثيرها القارئ و بين الأجوبة التي  يقدمها النص ، و بين هذه الأخيرة و بين المؤلف الجديد ، أي القارئ  ليكتب هو نصا آخر 14 .

 

وخلاصة القول أن إن القراءة فعل واع ، متأن ، مصغ ، قراءة متيم و متأمل و عاشق للنص إنها القراءة التي  تغير الذات ، التي لاتستسلم  للنص ،  بل  تدخل  معه في حوار،  باحثة عن مفاتنه ، عن  تميزه  ، عن  دلالاته  المتعددة ، و تأويلاته ألا نهائية ،  عبر مختلف العـصـور ذلك هو سر خلود الأثر الأدبي  .

إذا كان هذا هو موقف بعض النقاد من القراءة ، فعن أي قارئ نتحدث ؟

إن إنتقال  سلطة النص في النقد الحديث إلى سلطة القارئ ، و إهتمام النقاد  بالمتلقي  أصبحنا أمام سيل من المفاهيم  و المصطلحات  تصف هذا القارئ  بمسميات  مختلفة ،  و هذا شـيء  طبيعي ،  أولا بسبب  اختلاف القراء أنفسهم ، و درجة و عيهم   بالقراءة  و بالأثر الأدبي من  جهة ، و من جهة  أخرى هو هذا التعدد  في  الترجمات . فإريك دونالد  هيرش  يميز بين  نوعين  من القراء ، القارئ العادي الذي  يدرك المعنى اللفظي  و يقف  عند حدوده ، أي عند حدود الفهم ، أما القارئ العليم لا يتوقف عند هذا الحد ،  بل  يكون  قادرا علـى إعـادة  بناء  النص أي إلى  ملء  فراغات النص   15  وقد أضاف رولان  بارط  صفة  أخرى  يـجب أن  تتوفر في القارئ هي القدرة  حل وفك  شفرات و رموز النص باعتـباره  رسالة  مشفرة  أما  و لـفانجانج  اسر Wolfgang  iser  الذي  ينتمي إلى مدرسة التلقي  فقد نعت القارئ  المثالي عنده  بالضمني ،  وهو القادر على مزج الأفقين ،  أفق الماضي و أفق الحاضر أي البعد التاريخي و المعاصر ،  و يوص hans robert jauss تحدث عن القارئ التاريخي الذي عاصر النص و القارئ  الحديث الذي يقرأ النص اليوم . 16 .  أما  الدكتور رشيد  بنحدو  فيميز  بين  ثلاث  أنواع  من القراء :  القارئ  العادي ، القارئ

الناقد، القارئ  الكاتب .  17  و وقف  بعض  النقاد  عند  القارئ  النموذجي  ، أو الأعلى و الذي يسميه  بارط  بالمهووس وقد أحصى الدكتورمحمد المتقن أكثر من  عشرين اسما مثل  : الخبير ، الحقيقي  ، الناقد ، المؤهل  ، المقصود ، الافتراضي ، المعاصر ، الأصلي  ، المثالي…. 18  والواقع أن  أغلب هذه  المفاهيم هي  مسميات  لمسمى  واحد ،  ذلك  أن القارئ الأصيل  ،الخبير النموذجي أو ما شئت من الأسماء  يبقى هو القادر على إفتضاض بكارات النص ، و إعادة  بنائه مرات متعددة و قراءة  دلالاته  اللفظية و النصية  بصيغ مختلفة ، و يمكن وصفه بقائد أوركسترا يقود  فرقة موسيقية  تعزف  كل مرة  أنغاما جديدة .  إنه  يبعث  في النص  ليس عن حياة واحدة  بل  حيوات ،  يملأ فرغاته ،  مادامت حياة النص  تشبـه إلى  حد  كبير حياة  القارئ  ، ففي كل  منها فراغات و عوالم  خفية ، وعلى كل  واحد أن يكمل الآخر في درجة  من التماهي…  هل من  يقرأ شعر طرفة  بن العبد مثلا ، هو من  يقرأ  مجلة  نسائية ؟  و إن  كان كل منهما  معجب  بما  يقرأ . الجواب  متروك  للقارئ … بعد هذا الحديث  المركز عن القارئ  في علاقته بالنص ، والحديث عن القراءة  في علاقتها بالقارئ ، فما هو النص وما  علاقته بالطرفين معا ؟

 

مفهوم النص

 كان لظهوراالشكلانيين الروس دور بارز في الانتقال من الاهتمام بالكاتب إلى الاهتمام النص ، وقد بنى هؤلاء موقفهم على مبدأين إثنين :  أولا أنهم حصروا  اهتمامهم  في نطاق النص ، ثانيا أنهم رفضوا مبدأ  ثنائية الشكل و المضمون ، و بذلك رفضوا ما ذهب إليه النقد التقليدي ، ويعتبر ياكبسون رائد هذه الجماعة حينما أعلن « أن موضوع  علم الأدب ليس هو الأدب و إنما الأدبية » 19 و بذلك يكون  قد ركز على الوظيفة الشعرية أي ما يجعل من عمل ما عملا أدبيا . و الوظيفة  الشعرية عنده  هي واحدة من ست وظائف  مرتبطة  بالعوامل التي تشكل عملية الاتصال ، و يأخذ النص سماته من تدرج وتكامل هذه الوظائف ، و يعرف رومان  ياكبسون هذه  الوظيفة المهيمنة «  عنصر بؤري  للأثر الأدبي ، إنها  تتحكم و تحدد و تغير العناصر الأخرى ، كما أنها تضمن تلاحم البنية » 20 .

أما باختين فالنص بالنسية إليه مادة أولية تقوم بتحليلها الالسنية و الفلسفة و النقد الأدبي و غير ذلك من العلوم على أساس أن النص هو  تلك الواقعة التي  تتأسس عليها هذه العلوم ، فهو من هذا المنطلق يرى أنه حيث لا يوجد نص فليس ثمة موضوع للبحث و التفكير ، أما جاك دريدا  فيبني تصورا جديدا للنص معتمدا فيه على تاريخ الفلسفة فالنص عنده لعبة مغلقة و منفتحة في آن ، النص لا يملك أبا واحدا  ، و لا جذرا واحدا إن الانتماء  التاريخي لنص ما لا يكون أبدا بخط مستقيم ، النص من هذا المنظور له عدة أعمار عند دريدا  21.

أما رولان بارط فكان له وعي كبير بالنص و بالكتابة ، فالنص عنده نسق أو نظام « .. ليس

الأدب إلا  لغة ، أي نظام من العلامات ، إن حقيقته  ليست  في الرسالة  التي يريد أن يؤديها و إنما هي كامنة في هذا النظام …» 22  لكن مفهومه للنص لا يعتبر اللغة أداة تواصل تتسم  بالتقريرية  بل  يجب  البحث عن  المعاني المتعددة  و راءها ،  و أن محاولة إمتلاك  النص سيكون مصيرها  الفشل لان النص في عمقه  متعدد المعاني . فالنص مفتوح و القارئ  يعيد إنتاجه  بإعتباره نصا  تلذذيا مرتبط بالشهوانية ،  يحيا بحضور المؤلف أو غيابه . لكن من أهم التعاريف و الذي  لقي إهتماما من  طرف النقاد ما ذهبت  إليه  جوليا كريستيفا  فهي ترى أن النص ليس  مجرد خطاب أو قول بل هو جهاز عبر- لغوي يعيد توزيع نظام اللغة ويـتصل بنصوص و خطابات سابقة أو معاصرة له ، فالنص  كما تقول  ج كريستيفا هو امتصاص أو تحويل  لوفرة  من النصوص الأخرى 23  من هذا  المنطلق  يصبح  النص هو إعادة  كتابة  لنصوص أخرى دخلت  ذهن المبدع  في فترات مختلفة وهي نصوص   تنتمي إلى مجالات متعددة . و النقد العربي القديم  تنبه كثيرا الى هذه المسألة ، وذهب  بعضهم إلى أن الاتفاق  في المعاني و الأفكار لايعد سرقة ، لإن العديد من الامور هي مشتركة  بين الناس ، لكن درجة الاختلاف تكمن في  صورة إبداع  و شكل هذه المعاني «  فمن أخذ منهم معنى بلفظه فقد سرقه ،ومن أخذه ببعض لفظه فقد سلخه ، و من أخذه عاريا و كساه من عنده لفظا فهو أحق به ممن أخده منه …» 24  لذلك استعمل  النقاد القدامى العديد  من المفاهيم التي تعكس أخذ  الخلف عن السلف . و من  هذه المفاهيم :التلميح ، التضمين ، الاتفاق ، الاشارة ، القلب ،الاقتباس … و في النقد الحديث نف

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ذاكــــــرة مــــكــان 3

كتبها الرموتي حسن ، في 1 مارس 2009 الساعة: 22:41 م

آفاق الكتابة › اضف ادراجا جديدا.

الرؤيةالثالثة

     عندما لا تكون لنا حياة حقيقية

      فإننا نستبدلها بالسراب

                       أنطوان تشيكوف          

                                                                 

أي  إحساس  ينتابك  الآن  ؟  و أنت  تدرك  في  قرارة  نفسك  أن  كـل  شيء تـخلى  عنك  فجـأة ، البحر الأرض ،  الأشجار ، الرفاق …  تقرر مـع  نفسك  أن  تلعب  لعبة  الوهم  ،  فتتخيل أشياء كثيرة  ،  أحيانا مرعبة ، أحيانا  أخرى  تعود بك الذاكرة إلى الأيام  الخوالي ، فتغمض عينيك  تقفز أمامك صورة  وجه   أبيك بجبينه  العريض ، و عينين في صفاء البحر ، مرارا  كان  يردد أمامك  «   الدنيا بنت الكلب لا  تثق   فيها إنها مثل  لعب الورق  ،  كل ما جاءك دون طمع »  كان دائما يردد ذلك لم أكن أدرك مغزى كلامه  كنت أوافقه  بطأطأة  رأسي ،  وهو لم يكن يعرف  ما يجول في ذهني ، اليوم  حين أتذكر ذلك  ألوم نفسي   وأ حزن مرات عديدة  ، حين أفتح عيني من جديد أحاول أن  أتعود  على الضوء ، آه !  يا  سندباد القلاع  المظلمة  هل ذاكريك  تحتفظ  بكل  ما حصل  لك  ؟  و حين تتذكر بعض  ما وقع  لك  تقول  مع نفسك  :   ليتني  لم أفعل ،  مرة  أخرى لا تحس  بأي ندم ، تدرك بعد ذلك أن المأساة هي  ليس  ما   وقع لك ، بل ما سيحدث لك  و لهذه المدينة  قريبا ، بل في الساعات القادمة ،  سنوات طويلة مرت ،  و أنت   لا زلت إلى اليوم بين الشك  و اليقين ،  و هذا التردد الذي  يحز ثنايا القلب  يجعلك تعتقد  مع  نفسك  أنك على  صواب  و كل هؤلاء  المنبوذين ، التائهين على خطأ ،  أحيانا  تعتقد أن خروجك  من  رحم  أمك  و اصطدامك  ببرودة  العالم  أكبر خطأ  ارتكبته   زمنك  غارق  في  سباته ،  و الغيوم  التي   تعشقها  تفوح  منها  رائحة  الأحزان  ،  تنهمر كشلال  جارف ،  يدوس أحلامك الوردية ،  أنفاسك  نفسها  حين  تخرج  من الصدر  تتحول إلى  سحب سوداء  قاتمة  ،  و هذا الغروب الذي  كان رائعا  في ما  مضى  أصبح  الآن غريبا  مثلك ،  فقد أسرار شفقه الأرجواني مثل  جريح في حرب خاسرة ، لماذا هذا الغروب غدا عاريا كالليل،   لماذا ينصرف تاركا تجاعيده  في المحيط اللجي ؟  أي  تنهيدة   هاته يتردد  صداها على أديم الماء  ؟ أيها الغروب المـضرج  الآن بحرقة السؤال ، لماذا تستكين لذاتك ؟ لماذا  تنزوي في  هذه العتمة التي تفصل بيني و بينك ؟  بالله أي غــروب أنت ؟ و أي  شمس  خجولة  ستشرق  غدا  ؟  و هذه الطيور التي  كانت  ترقص  كالفراشات  و تبوح  لك  بأسرارها  البسيطة ،  لم  تعد  كذلك ،  أصبحت لها  عيون الخفافيش ،  تقتات على  ما تبقى من  دمك أيها الغروب و أنت تستقر في  قاع المحيط  أي  مصير ينتظرك  ؟   و أي  نهاية  تنتظر هذه  المدينة التي  تحرسها  منذ  الآلاف السنين ؟   كم  هو مؤلم  هذا الـمصيـر   مصيركما معا ! .  كيف  إذن أعيد  ترتيب  الأشياء  ؟   لأمنحك  أيها  الغروب   غروبا  جديد ا يليق  بزرقة البحر ،  و أمنحك  أيتها المدينة  وجها طفو ليا و ضفائر بلون قوس قزح .    آه  يا سندباد  القلاع  البعيدة  !  عوالم  فسيحة  و ساشعة   تنغلق أمامك ،  و أنت  تتيه  في  همهماتك  و ترنحاتك . هل

   ثمة شيء لا تستطيع  فعله ؟  إذن لتفتح  في  ليل هذا الجدار  كوة،  ووزع على الذاهبين إلى  حتفهم من أبناء هذه المدينة   ما تبقى  من أحلامك ،  ما تبقى من هذه الحروف التي ماتت  في  قصائد المديح ،  و استعر من  ذاتك  لغة أخرى  طافحة     بقاموس الرفض ،  تخترق  حروفها جدار الذاكرة ،  و توقظ   في نفسك شهية الكلام ، الكلام الذي أضرب  فمك  عنه  منذ   سنوات ،  منذ غزا الجراد  الملون هذه  المدينة ،  ما أقسى   هذا الصمت يا صاح  !  آه  يا صاح كيف  سيغدو هذا العالم ،  هذا الوجود  لو صمت الكل ؟ لو خلا العالم من هذه الأصوات إذن متى ترفع صوتك عاليا لتسمع صداه في عيون الآخرين .  متى  تعيد  للريح هيبتها  ،  و لهذه  المدينة  طفولتها ،  و أن  تخضب  ظفائرها بالحناء  و القرنفل  ، أنت  لم  تستنفذ  طاقتك  بعد  ،   و الجراد  الملون  ،  و القاد م  من  كل  الجهات  ينام   بعيون  في  نصف  إغفاءة  تشبه  عيون الذئاب  ،  لكن  لست  وحيد ا ،  وراءك  أمة  من  المنبوذين  و الفقراء  و التائهين   ينتظرون  أن  تخيط  ثوبا  جديدا  ،  حتى  تعيد  لهذه  السنوات  التي  سرقت  منك    و منهم  طفولتها  و لونها ،  و تعيد  هذه  الموسيقى  السمجة  أنوتثها ،  و  تقيم  لأسراب  العصافير التي غادرت أوكارها منذ سنوات عرسا الخبز  …أيتها  المدينة  فيك   و منك  تتوقد  الشهوة  و الحنين ،  و لأنك  منفاي و أتسلل  كل  صباح  إلى عيونك ، و أغوص في شرايينك   و لأنك  وجعي و ضجري ،  نبضي  و سكوني احتمي فيك و أقرأ في مقلتيك كل هذا الصمت ، فهل لي  يا   سيدتي  أن  أبو ح  لك  بكل  هذه  الأسرار ،  لا أريد  أ ن أكبو هنا  ألآن  لأنه  ليس  لي  ملاذ  آخر إلا هذا الوطن . و أنا  أريد  أن أطفئ  كل  هذه الحرائق   بيني  و بينك ،  أيتها المدينة أنت  قبري  لذا  أقول  لك  إني  أحبك .

 أيتها المدينة ، لا مكان  لي  في هذا العالم إلا  فيك  ، و إذا  لم تكن  لنا معا القدرة على أن  نعيش ،  لماذا لا  نموت معا ،  أو ليبحث كل منا على  بدايته ،  لكن علي أن أترك  وصاياي   لك.

 

            

 

                           الرؤيـة الرابـعة              

      

 

          ليست حكمة العصور وحدها هي ما يسري

                

          فينا ، بل إن جنون هذه العصور ليسري

                          

           فينا بالمثل ، ما أخطر أن تكون  وريثا .

                                                                    نيتشه

                                                                                             

 

  أحيانا  كثيرة أتساءل مع  نفسي ،  كيف  لي أن أدرك ، 

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ذاكرة المكان 2

كتبها الرموتي حسن ، في 28 فبراير 2009 الساعة: 20:44 م

آفاق الكتابة › اضف ادراجا جديدا

                          الرؤية الثانية

                                                      

        سأكون حزينا إذا ما علمت أن مسرحياتي ستمثل

    بعد عشرين عاما ، فهذا يعني أن المجتمع الذي

                       عملت على تغييره لم يتغير .

                                                                                      برتولت بريخت

 

 

ما أعجب  هذه  الذاكرة  ،  هذا  القانون الذي  يحكمها ،  ذكريات  كثيرة  قصت  مثلما  تقص  أجنحة  طائر  وقع  ي الأسر ، انمحت كما   يمحو البحر في  مدّه  ما خططناه  على الرمل ،  أحداث  أخرى  وقعت  لك  لا تستطيع  أن  تذكرها  بتفاصيلها ،  أوهام   تصر على أنها  وقعت  لك  بالفعل  ،  و تسردها  بيقين  ،  هكذا  أنت ،  و هذه  ذاكرتك  ،  الوقائع  لا زالت  لكنها  تتشابك   مثلما  تتشابك  الطرق  و تمتد ،  و عليك  أن   تبحث  في  متاهاتها  عن  حقيقة  وجودك .  عن  حقيقة  وجود  هذه  المدينة .

 في  الوجود  عنصران  لا  ثالث  لها ،  الجمال  و الحق ،  الجمال   في  قلوب  المحبين  ،  و الحق  في  سواعد  الذين  يحرثون  الأرض  ،  هذا ما  قاله  جبران  خليل  جبران  يوما ما ،  و أنت ماذا  تقول  ؟  في  هذه   المدينة  عنصران  لا  ثالث  لهما ،  القبح  القادم  مع  الغزاة  الجدد  ،  قبح   يولد   مع  كل  إشراقة   شمس  ،  و الباطل   الذي   يسكن  قرارة  هؤلاء  و  يوزع   مع  كل  ابتسامة  خبيثة  ،  و أنت  أحيانا  تبتسم ،  لكنها  ابتسامة  حارقة  مثلما  يحترق  الإسفلت  في  يوم  صيفي حار .

المقاهي  في  هذه   المدينة  تتناسل  ،  كافي  دو  فرانس     مقهى  فرنسا  -  الذي   تعودت  الجلوس   فيه  منذ سنوات   لم   يتغير كثيرا  ،  الطاولات  القديمة  ،  و الكراسي  المتهالكة  ،  تغير  زبناءها  كما  تغير المطارات  مسافريها ،  النادل  لا  يأتي  إليك  ،  لأنه  يعرف  عادتك  ،  يسرع   إلى  زبائن  أخر  جاءوا  بعدك  ،   يوزع  ابتسامته  الباهتة  على  زبائن  المقهى ،   يعرف  أنك  ستطلب  قهوة  سوداء  سواد  هذا  الإسفلت  تحت  قدميك  يضع  النادل  أمامك  قهوة  سوداء  ،  لا ينظر إليك ،  لأنه  تعود على  وجهك  من  كثرة  ترددك  ،  من  كأسك

ترتشف جرعات  بمرارة ، في حلقك  تحس بها كأنها علقم . يصلك  ضجيج المقهى ،  ضجيج الشارع ، تحدق في الوجوه، تكلم نفسك ،  كأن  مس  من الجنون ركبك  ،  قوافل  المدحورين  تسير أمامك ،  نظرات المارة  تخترق  جسدك  ،  ذكرياتك   في  هذا  المقهى  مرت  مثل  نيزك  أمام  عينيك  ،  أناس   كثيرون  مروا  من  هنا  و أنت   أمام  المصير ذاته  ،  أناس  يولدون  ،  يكبرون ،  يتزوجون  ،  ثم  ينجبون  فيموتون ،  آه   يا صاح  من جسد  طفولي  ينضح  بالحياة  إلى  شيخ  هرم  ثم  إلى  جثة  هامدة ،  الموت نهايتك ،  تتساءل  هل  أدرك  الموت يوما فقد  أبيه ،  من أعطى  للموت  هذا  الإسم  ،  أنت  لا  تستطيع   أن  تجيب ،  فقط  عليك  أن  تِؤجل  موتك  قليلا لتعيد  لهذه   المدينة  حياتها ،  القهوة  لا تزال  أمامك  ،  تنظر إلى  مستوى  السائل  الأسود  في  كأسك ،  يطول  صمتك ،  تكتفي  بهز رأسك ،  لهذا المقهى في نفسك  نكهة خاصة ،  كتاب  و مبدعون  ترددوا على هذا المكان .  في هذا  المكان  بدأوا  مشروع   رواياتهم  عن هذه  المدينة ،  محمد  زفزاف  في  روايتيه  الأفعى  و البحر ، ثم

 الثعلب الذي يظهر و يختفي ، إدمون  عمران المليح في أيلان أ و ليل الحكي …تشير للنادل  ،  يأتي  هذه   المرة   مسرعا  ،  تترك   ثمن  القهوة  على  الطاولة  و  تنسحب  في  هدوء  ،  و  بخطواتك  الوئيدة   تتيه  في  الزحام  أمواج  من  البشر  يتيهون  في  شوارع  المدينة ،  و أنت  تتفرق   بك  السبل  التي  تشبه أحلامك  ، أين  تسير ،  إلى أين مرفئك ؟  الربيع  و الخريف عندك  سيان ،  بين عينيك  تتوالى صور  من  جراح الماضي  و أنت  تسير شاردا  مثل الريح ،  غامضا غموض  كتابات  جان  بول  سارتر ، أحيانا  تود  أن  تتجول  في هذه  الأزقة  التي

تلفها  العتمة ،  أن  تتوغل  في أعماقها ،  رائحة البول  و العفن  تغزو أنفك ،  تتوقف ،  و بحدسك  تقول  : أشياء  كثيرة  تجري   وراء  هذه  الأبواب  ،  أشياء لا  يستطيع  الشيطان  نفسه  أن   يفعلها ،  لو عرضتها  عليه  لتبرأ  منها ،  تبتسم  في  قرارة  نفسك  ثم  تواصل  سيرك  ،  الأزقة   تزداد  أحيانا  ضيقا ،  لا  تكاد  تتسع   لشخصين  تصلك   بين  الفينة  و الأخرى  القهقهات   من  وراء  النوافذ  الواطئة  ،  و أحيانا  أخرى   تتوارد   إلى   سمعك  كلمات  ساقطة  تصيبك  بعدوى  الضحك ،  تأخذ  زقاقا   منعرجا  يفضي  بك  إلى الساحة  الواسعة  و أنت  غير مكترث بعيون المارة .  في الساحة الواسعة  يغمر  ضوء  الشمس عينيك ،  تنظر قليلا  إلى السماء ، بقع  رمادية   هنا و هناك ، فتحس  بالدم الدافئ  يسري  في عروقك ، فتتوقف ، في حين  يندفع  المارة كأن أحد يطاردهم .هذه  المدينة  اغتيلت  كما  اغتيلت  الكثير من  أحلامك  ،  و أشجار  كثيرة  اقتلعت  ،  لم  يعد  لها  أي أثر،  مساحات   خضراء  تحولت  إلى  فضاءات  مبلطة جرداء  لمهرجانات  الزيف  و الرقص  الرخيص  ،  فضاءات  لجيل  لا  يحسن  سوى   تحريك  الأرداف  ،  و حتى  العصافير التي   تعودت  عليها  رحلت ،  بعدما  لم  تجد  لها  مكانا 

تعشعش  فيه  ،  اختفت  وشوشاتها  ،  بعيونك  الظامئة  تنظر  حواليك  ،  ينتابك  احساس  من  فقد  حبيب  فجأة   دون أن  يودعه ،  يجيش  فؤادك  بالحنين  إلى  الأيام  الخوالي ،  تتنهد  بحرقة  لحاضر هذه  المدينة  الذي  يجثم   على  صدرك ،  أما  مستقبلها سحابة   سوداء  طافحة   باليأس  و الحزن  و الغموض ،  سحابة   تتسلل  في غفلة  منا  ومن  الزمن الموبوء إلى دواخلنا .  الفراغ   بينك  و بين  هذه  المدينة  يتسع  و  يطول  كليل  خريفي ،  و أنت تسير  تناجي  نفسك  ،  و تسائل  هذه

المدينة .

  ماذا  أستطيع  أن  أفعل  من  أجلك  يا  سيدتي ؟

  لا شيء  سوى  أن  ترحل  عن  هذه  المدينة

— أرى  الجراح  توغل في مساحات  جسدك ،  و نحن  أطفالك ،  وهذا  الزمن الداعر يغتالك .

  للإغتيال  الغادر طعم  الحياة  ،  و البحر  وحده   سيكتب  سيرتي .

  السهم  الذي  أتاك  من  الخلف  سيأتيني  من  ألف  خلف .

 سوف  أهد  الجدران  ،  و أجتاح  كل  المتاهات  التي بدت  لك  و لي  وهما …

  إذن  لنؤجل  كلامنا  حتى  ينام  الغزاة  الجدد .

  فتوسد  حلمك  الآن  و  هات  البحر  معك .

  البحر  الآن  في  مده   يا سيدتي

— من  المد  تولد  الأشياء .

  و من الجزر

  من الجزر يولد انكساري و انكسارك

 

حين  تنتبه  لنفسك  ،  تجد  خطواتك   سريعة  ،  و أن  المدينة  أصبحت  وراءك ،   و البحر لا زال  في  حالة مّد   جسد  المدينة   المغتال   يبدو  لك  من   بعيد ،  و دم  قـان   ينساب  نحو البحر ،  تدرك  أن  هذا  الدم  هو حبرك الجديد ،  هو  مدادك  الذي  ستكتب به  سيرة  هذه  المدينة  ،  سيرة  انكسارات  تتكرر بفداحة .

.سيرة  هذه   المدينة  تتراءى   لك  منقوشة  على  جسد  البحر ،  صفحاتها   مدونة  في  ثنايا  موجه  ،  صفحات

أخرى  مهملة  كما  يهمل  الأثاث  القديم ،  يؤرقك  ذلك ،  تحاول  أن  تعيد  هذه  الصفحات  إلى مكانها ، المد لا يترك  لك  الفرصة  ،  تخشى  عليها  من  الضياع  ،  من  البلل ،  حقائق  كثيرة  ستضيع ،  الرياح  تزيد  من من  احمرار البحر ،  الموج  يسحب  هذه  الصفحات  نحو القعر ،  تحاول  أن  تتحايل  على  الموج  ،  لكنه يصدك  بقوة ،  قشعريرة  العجز تهز كيانك ،  معركة  بينك  و بين البحر ،  بين الحقيقة  و التاريخ المزيف ، صفحات  من  سيرة  هذه  المدينة   تضيع  ،  يغتالها  البحر ،  البحر  لم  يكتب  هذه  السيرة  كما  كنت  تظن  مع  نفسك،  صفحات   من  تاريخ  هؤلاء  الغرباء ،  المنبوذين ،  صعاليك هذه  المدينة ،  شرفائها …هؤلاء  المنفيين  كل الذين قتلوا غدرا ،  طعنا  في  ظهورهم ،  البحر  ينتصر على  تاريخ   هذه المدينة ،  يلتهمه ،  كما  تلتهم العناكب  الحشرات  الصغيرة  ،  تحاول  أن  تصرخ  ،  يخرج  صوتك  مكتوما  كأنك  في  بئر عميق ،  تكتشف  أن  التاريخ  مسرحية  هزلية ،  المخرج  اغتيل ،  الخشبة  دون  أضواء  ،  أبطالها  هؤلاء  البرابرة  الجدد ،      و نحن  نشاهد  العرض  ببلادة .  تعايش  الآن  الفصل  الأخير و أنت  لا خيار  لك سوى  أن  تتمم هذه المسرحية  حتى  النهاية  ،  لكن  عليك  أن  تبقى  صامدا  صمود  تضاريس  و طنك ، بلا بندقية ، سلاحك الوحيد  أشياءك  الصغيرة ، و عليك في النهاية أن تنهي هذه المهزلة .ها  أنت  محاصر داخل  نفسك  ،  داخل  هذه  المدينة ،  هل حان  الوقت  لتعود  إلى موتك ، أم  تتجرع كأس الحزن  حتى  الثمالة  ،  إنها  نهاية  هذه   المدينة  ،   كل  الدلائل  تشير إلى  ذلك  ،  القبح ،  الضجيج  ،  التيه ،  الناس  لا  يكفون على  المجيء  و الذهاب  دون  سبب ، الأحلام  تتلاشى  و تغرق   في  الملل ،  المتاهات  تقذف  بك  نحو  البحر ،  نحو هذه  الجزيرة ، التي  تتربع  على المحيط  كحارس  يقظ  نسي نفسه  منذ  قرون ، الحرب  انتهت  ،  و الريح  تعد  أيامه  ،  الريح   في  هذه  المدينة  تهرول  لاهتة  ،  تجري  في  كل  الإتجاهات   و حبيبات  الرمال  تندفع  ،  تباغتك  ،  تحس  بها  تلفح   جسدك  ،  تتسلل  إلى  حلقك  جافة  ،  طيور  النوارس

لا  تعترف  بالريح  ،  بل  تطير عاليا ،  عيونها  حافلة  بالحزن  ،  الفضاء  يضج   بصراخها  الحاد ، اصـطفاق  اجنحتها  يطن  في  أذنيك ،   ملاذها  الوحيد  هذه الجزيرة ، المملوءة بالأشباح و الشياطين ، و المحارات الفارغة ، و الصمت . الصمت  جزء  من  ذاكرة  هذه  المدينة ،  جزء من  تاريخها ،  الصمت  يجري  في  عروقها  كما  تسري الخمرة  في  الجسد  ،   مدينة  وضعت  على  الهامش  ،  لفّها  النسيان  لعقود  طويلة  ،  الآن  يا  صاح   يتحول  الصمت  

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

آالموت عند محمود درويش من خلال جداريته

كتبها الرموتي حسن ، في 27 فبراير 2009 الساعة: 23:42 م

آفاق الكتابة › اضف ادراجا جديدا.

 

 

 

 

 

                               دلالة الموت عند محمود درويش من خلال – جدارية-   

 

 إن الوضع الوجودي للإنسان، هو في العمق تعبير عن عجزه  أمام الموت الذي يعصف به، و يغير كل شيء،  لذلك أدرك الشاعر منذ البداية أن المنية أمر محتوم، لا مفر منه ، يقول طرفة :

               لعمري إن الموت ما أخطا الفتى  **  لكالطول المرخى و ثنياه باليد      

و تمنى الشاعر تميم بن مقبل لو أن الفتى حجر، إن رؤية الشاعر تبرز أن الحياة هشة، سريعة الانكسار1.

فنظرة الشاعر الجاهلي للموت في الأعم هي نظرة تحكمها علاقته بالطبيعة ، لأنها مجال بحثه و تجاربه ، فالسيف و الفرس و البطولة و الخمرة و المرأة هي سلاحه لمقاومة الموت في انفتاح الطبيعة أمامه    «… فالشاعر يعيش في جدل مع الطبيعة المتموجة كالرمل و مع الدهر القاهر ».2 أما الشاعر العربي المعاصر في ظل التجربة التي يعيشها ، تجربة الهزائم و الإخفاقات  المتوالية ، من الخليج إلى المحيط ، هذه الإخفاقات ولدت لديه هذا اليأس و الاغتراب و الحزن الذي ميز الشعر العربي المعاصر، هذه  المعاناة أثمرت  « تجربة الموت و من هذه المعاناة بدأت تتولد في أعماقه معاني الولادة و التجدد و البعث » 3  و بالعودة إلى المنجز الشعري المعاصر سندرك كيف شكل الموت هاجسا شعريا في تجربة الشعراء وهو عندهم لا يعني الاستسلام و الانهزام بل تحمل مسؤولية  الحياة 4 فالصورة التي يقدمها لا تتسم بالسقوط و الفناء، إنه الموت حين يتجدد و يبعث على الحياة كما الحال في قصائد الشعراء الرواد مثل ادونيس و خليل حاوي و السياب و نازك الملائكة و أمل دنقل.. وإن اختلفت الرؤية الفنية فإن الموت لا يخرج عن معاني التجدد و البعث و الانتصار و الحياة .

 يقول السياب :

                               أود لو غرقت في دمي إلى القرار

                              لأحمل العبء مع البشر

                               و ابعث الحياة ، إن موتي انتصار     5  أنشودة المطر

و ادونيس حتى في موته قادرعلى الاستمرار و أن يمنح للأرض الخصب  :

                         جامع ،

                       احتضن الأرض كأنثى

                      و أنام .  6

يقول لأمل دنقل   :     

                           ليت أسماء تعرف أن أباها صعد

                          لم يمت

                          هل يموت الذي كان يحيا

                          كأن الحياة ابدْ. 7

و نازك الملائكة نفسها لا ترى في الموت سوى الحياة ، فحفارا لقبور يكد في عمله لكي تستمر حياته ،

و حين يموت ، هناك من سيحفر قبره:

                            طالما حفرا في التراب / حفرا في الضباب

                           ربما حفرا في شحوب الخريف /

                           طالما شوهدا يحفران / و هما الآن فوق الثرى ميتان   8

هذه نماذج تبرز كيف نظر الشعراء العرب المعاصرون للموت ، و سنركز في هذه الورقة على رؤية الشاعر

محمود درويش و من خلال قصيدته «  جدارية  » . أولا لأن هذه القصيدة كتبها درويش في لحظة كان إحساس الشاعر بالموت كبيرا ، في فيينا عندما أجرى عملية جراحية على القلب . ثم شهادة الشاعر حول هذا النص حين يقول« إذا كان لا بد من تخليص فلتكن جدارية .. لقد كنت أرشح هذه القصيدة لتكون هويتي  الشعرية » 9  ثم ما كتبه الشاعر إلى صديقه سميح القاسم في إحدى رسائله يقول « سافرت من الحياة إلى الموت في فيينا و عدت من الموت إلى الحياة…. اخترقت غابة من المسامير صدري..ذابت طاقتي ..وحين أعادوني من نشوة النوم إلى عذاب اليقظة… لقد أعادوني من الموت الذي استمر دقيقتين..أعادوني من النشوة إلى الوجع أهذا هو الموت ؟ ما أجمله ! أهذا هو الفارق بين الحياة و الموت ما أكبره.!….لقد أزعجوني في نومي الأبيض.. » .10…لهذه الاعتبارات تشكل هذه القصيدة – الديوان- واحدة من أجمل ما كتب درويش. إن درويش في هذا النص كان يتهيأ للموت ، لأنه يدرك أن لكل شيء نهاية :

                                                لا شيء يبقى على حاله/ للولادة وقت

                                             و للموت وقت/ و للصمت وقت  …..

                                            و لا شيء يبقى على حاله…

                                             كل نهر سيشربه البحر  11 

لكن الموت عند درويش هو موت مادي ، فيزيائي ، الموت لا ينال من الإنسان سوى الجانب الطيني منه ،

أما روح الأشياء فهي قادرة على مقاومة الموت و هزمه، إن الموت الذي يخشاه الشاعر هو موت القصيدة لديه

بمعنى عجزه عن الإبداع  و موت قدرته على الكتابة ، لأن خلود الأثر الأدبي هو القادر على مقاومة الموت :

                                     ألديك وقت لاختيار/ قصيدتي .

                                      لا . ليس هذا الشأن شأنك / .

                                   أنت المسؤول عن الطيني في البشري  

                                   هزمتك يا موت الفنون جميعها…. 12

 إن تجربة الموت عند الشاعر هي تجربة عميقة،لأنه مات لدقيقتين و رأى ما رأى ، ليعود إلى الحياة ، ليعود

إلى الوجع و الألم، لذلك تساءل لماذا أعادوني من النشوة ؟، فيصبح الموت هو الحياة، و الحياة هي المعاناة.

من هنا يبدو هذا الاستعداد للموت، وهذا الترتيب للرحيل، ترتيب الجنازة، و تأبين نفسه بنفسه، دعوته للموت

بالانتظار ليتمم هذه المراسيم ،  ثم وصيته الأخيرة  : .

                            أيها الموت انتظرني خارج الأرض ،

                           انتظرني في بلادك ….

                           فيا موت انتظرني ريثما أنهي

                            تدابير الجنازة في الربيع الهش  13                

 

 

 وفي وصيته يستمر هذا الخلود و الأمل حتى في الموت  :

                               لا تضعوا عل قبري البنفسج فهو زهر

                              المحبطين /    ضعوا على التابوت سبع

                              سنابل خضراء إن وجدت / وبعض شقائق النعمان  14

و الشاعر في موته المؤقت يصادف هذا الخلود الذي يسعى إليه، اقصد خلود قصيدته في الذاكرة الإنسانية

كما احتفظ التاريخ بنصوص الشعراء و الكتاب الكبار، وفي غيبوبته يرى :     

                                        رأيت ريني شار / يجلس مع هيدجر

                                    

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

آفاق الكتابة › اضف ادراجا جديدا

كتبها الرموتي حسن ، في 25 فبراير 2009 الساعة: 20:59 م

آفاق الكتابة › اضف ادراجا جديدا.

 

 

 

 

                                                     1

       

 الشاعر و المدينة

                                  تحليل نص – الرحلة إلى الريف -

                                 لأحمد عب المعطي حجازي

 

الملاحظ أن جل الشعراء الذين جعلوا المدينة موضوعا لقصائدهم، نزحوا من القرية، و لأنهم كانوا مبدعين ذوي شفافية، فقد كانت لصدمة المدينة  أثر بالغ انعكس على تجاربهم خصوصا كأفراد . فإيقاع الزمن في المدينة مختلف  ، الازدحام ، ضيق المكان ، الضجيج ، تدافع الناس إلى أعمالهم … هكذا يجد الشاعر نفسه مقذوفا به إلى عالم لا يحترم إنسانيته ، حيث الضياع والاغتراب ، الإنسان نكرة ، أو شبح بين ناطحات السحاب على حد تعبير يوسف الخال ، الناس ساهمون ، لا يعرف أحدهم الآخر ، إنه الجهل بالأسماء .

      يقول أحمد عبد المعطي حجازي :

                                   

                                     الموت في المدينة  طن

                                     العجلات صفرت ، توقفت .

                                      قالوا : ابن من ؟

                                      فليس يعرف اسمه هنا سواه . 1

 

المدينة عالم مفرغ من كل حس إنساني ،  لذلك كانت الرحلة  من القرية إلى المدينة رمز لعبور الشاعر من بيئة ساكنة إلى أخرى متحركة ، ومن بيئة مؤنسة إلى عالم موحش ، وكل شيء في هذا الوضع الجديد ، يُرى مقارنا مع الوضع القديم 2  أي أن القرية تظل حية في ضمائرهم و هم يمارسون الحياة كما تفرضها المدينة  3 . 

هكذا  فقد  العديد من الشعراء العرب المعاصرين  تواصلهم  مع هذه المدن التي هاجروا إليها

حيث احبطت أحلامهم ،  وهذا العجز عن التواصل  ولد أسباب الشقاء  الذي عانى  منه هؤلاء

أي الشعور بالفشل و الإخفاق ، العيش على جانب المجتمع ، الوحدة ،فقد أصبحت المدينة طاحونة تعرك الإنسان ، مدينة فقدت براءتها  ،  يقول السياب :

                                 

                                    مدينتنا منازلها رحى و دروبها نار ،

                                    لها من لحمنا المعروك خبز ، فهو يكفيها

                                   …………………………………………….

                                   قهقهة البغايا و السكارى في ملاهيها 4

هكذا تبدو المدينة عند بدر شاكر السياب ، كما أن العديد من الشعراء كان تعاملهم مع هذه المدن غاية في القسوة 5 ، و بالعودة إلى أشعار صلاح عبد الصبور ، و السياب ،  عبد الوهاب البياتي ، خليل حاوي ، سعدي يوسف ، أدو نيس ، محمود درويش ، سنكتشف هذه العلاقة القائمة على النفور رغم اختلاف تجارب هؤلاء الشعراء  و درجة وعيهم  بهذه الظاهرة    ويشكل أحمد عبد المعطي حجازي مثالا واضحا حيث هاجر الشاعر إلى المدينة و هو في العشرين من عمره، دون مال ولاسكن، بلا  أصدقاء  فكان اصطدامه بها قويا ،

                                     

                                       سرت و ليل المدينه

                                      أرقرق الآه الحزينه 

                                      اجر ساقي المجهده

                                      للسيده

                                      بلا نقود ، جائع حتى العياء ،

                                      بلا رفيق . 6

 

 

 ويشكل الجدار في ديوانه- مدينة بلا قلب - رمزا من رموز معاناة في المدينة « كأنما يضطهد الشاعرو يلاحقه أينما كان » 7 ، و عنوان الديوان نفسه ينزع عن المدينة كل حس إنساني ، فهي بلا قلب ، بل إن الشاعر يفقد اسمه فيها و ينتهي إلى الضياع . ضياع يولد النقمة و الأسى في نفس الشاعر ، فتحضر القرية و الانتماء و الحنين إلى الأهل :

 

                                   و أنا ابن ريف

                                  و دعت أهلي و انتجعت هنا

                                  لكن قبر أبي بقريتنا ، يحفه الصبار

                                 و هناك مازالت لنا في الأفق دار. 8

 

                                     

                               الرحلة إلى الريف

                                            أحمد عبد المعطي حجازي

                                

                             *       محطة أسفل المدينه

                                      مسقوفة تضاء في نصف النهار

                                      مواكب المسافرين ضجة حزينه

                                      و ساعة تحصي عذاب الانتظار

                             *       و صفر القطار

                                      اثاقلت أقدامه و سار …ثم سار

                             *       لافتة تراجعت

                               صبية لم تستطع به اللحاق .. شيعته في انكسار

                                و غادر المدينة

                           ترنح الضجيج في المدى.. ثم ارتمى سكينه

                                                 **************

                                     الكل متعبون ، و الدخان

                                     تغزله أنوفهم ، تغزله مدخنة القطار

                                    العائدون من شوارع الغبار

                                     من مطحن الأعصاب ، من مائدة القمار

                                     من المدينه

                                    أرخوا رؤوسهم على حوائط القطار

                                     كأنهم عجائز تهدموا على جدار                                                

                                                                   

                                    كأنهم مهاجرون

                                    تكدسوا على سفينه                        

                                   كأنهم جرحى و قد عادوا من الميدان

                                    يستعرضون في أسى ..ما كان 

                                   و ارتجفت أغصان

                                   و أجفلت أطيار

                                   تفرقت . و امتدت الخضرة

                                  حيث التقت في الأفق بالأشجار

                                   ****************

                          أمامنا لا سقف، ولا جدار

                       أمامنا المدى مخضوضر في المغرب الشتوي صافي الاخضرار

                         أين ازدحام الناس   ؟

                       أين اصطناع الزرع في آنية النحاس ؟

                       هنا المدى لا يعرف الحراس

                       هنا أنا حر ، هنا الطيور تستطيع أن تطير    

                      هنا النبات لا يزال أخضر الرداء

                       كيوم كان

                       و لا يزال يرضع السماء

                      كيوم كان

                     هنا الحقيقة التي لا تعرف التلون المقيت

                      هنا الدوام الثبوت                              

                      حتى هنا الأحزان لا تموت  .

 

 

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

آذاكرة مكان- تأملات -

كتبها الرموتي حسن ، في 24 فبراير 2009 الساعة: 11:02 ص

آقاق الكتابة › اضف ادراجا جديدا.

الرؤية الأولى

                                               أركض خلف الوطن المسجون

                                        غابة الأعراس ، في طفولة الأجراس

                                                                    أدونيس

 

غرباء  نحن ،  غرباء  في هذا الوطن ،  هذا الوطن الذي  أعطانا  قفاه و انصرف ،  غرباء عن  هذه المدينة التي  سرقت  أحلامنا  كما  تسرق  النجوم . و أنت  حين  تقف  على  مشارفها ،  ينتابك  سحر خاص ،  يخلخل جوانحك ،  فتقف سادرا ،  مندهشا ،  تبدو لك  المدينة  من  بعيد  هادئة  ،  لكنها تخفي  بين  أسوارها ،  و بين جدران  بيوتها  أسرارا  كثيرة ،  أحيانا  غامضة ،  بعضها  يضل خفيا ،  بعضها  الآخر تلوكه  الألسن  فتزيد

عليه  إنها  طبيعة  البشر .  من الأعلى  يبد و البحر كسوار من  فيروز الشطآن ،  يطوق  معصم  غادة  حسناء حزينة ،  و أنت لا  تدرك  هذا  الحزن ،  إلا حين  تكشف  أسرارها ،  و مفاصلها ،  فيبد و لك  البحر  يركض نحوها خصوصا عندما يغضب ، و المنازل كأنها تفر و تتراجع . أشياء  كثيرة  تغيرت  في هذه  المدينة  ،  بل  أشياء  كثيرة  تكسرت  مثلما  يتكسر زجاج  السيارات  إلى رذاذ  يشبه  حبات  البرد  . الأيام  تواصل  رحلتها  في  هذه  المدينة  التي  فقدت  كل  شيء  من  ماضيها ،  بعد  أن

غزاها  البرابرة  الجدد  ،  و سوف  تمضي  سنوات عديدة   قبل  أن  يكتشف  الناس  ذلك ،  سنة  تمر ثم  سنة أخرى ،   فتتحول  المنازل  القديمة  و التاريخية  إلى  فنادق ،  أما المنازل  البسيطة  فتأكل  الرطوبة  جدرانها ، و يعلو الصدأ شبابيكها  ، كل شيء  تغير ،  الأشجار ، البحر ، البشر حتى  النوارس  تغيرت ، أصبحت  تحط  وسط  الساحات  العمومية و عندما  تقترب  منها  تنظر إليك  في  تحد  ،  في  عدوانية  ،  أي  إحساس  يعتريها  اليوم ،  لم  يعد  البحر هو البحر ، أصبح  شحيحا ،  و لم تعد  النوارس تحلق  فوق  الميناء كما  تعودت  أن  تفعل ،  فقد  أدركت  أن  البحر فقد  إحساسة  بها ،  فأصبحت  تطير فوق السطوح  تقتات على  بقايا  خبز يابس ،  و تسترق  النظر إلى  سراق  العشق من أبناء و بنات الجيران  مدينة  تسير نحو حتفها ،  بلا ضجيج  و لا طبول ،  مستسلمة إلى الغزاة  الجدد ،  تحاول  أن  تصرخ ،  فيخرج  صوتها  مكتوما ،  مختنقا ، أناسها  الأصليون  يتيهون  في  دروبها  الضيقة  ،  يسيرون  بتثاقل  و بحزن  دفين  يشعرون بالقرف ،  يطاردون  أحلاما ، يطاردون  الريح ، و الذي  يطاردهم  أياما  طويلة  من السنة ،  ما  أقسى

هذه  المدينة  و هي تأكل  أبناءها  كل  ليلة ،  ما أقسى  هذا  الكابوس الذي  تعيشه ،  هذا  الكابوس  الذي  يفتض بكارتها  بعنف  ،  يستبيحها ،  ثم  يكتب  تاريخا  جديد   لها ،  تاريخ  يكتبه  القادمون  من  وراء  البحر،هنا أو  هناك ، لا فرق ،  مادام هذا التاريخ  يتسلل  كل  فجر إلى عقول  البسطاء  من أبناء  هذه  المدينة  و يعشش  فيها. ولي  من أولياء  هذه  المدينة  الصالحين ،  رفع  كفيه ذات  يوم ،  و دعا على هذه  المدينة بالثبور ، لأنها سرقت  أحلامه  و أبناءه ،  و هاهي  اليوم  تموت  بالتقسيط  يأكلها  اليأس ،  و يسقط  أبناؤها  مثل  الورق  اليابس  في

حين  تكبر أحلام  الغزاة  الجدد ،  يبيعون  ذاكرة  هذه  المدينة ،  ثم  يستعيرون  من ألاشيء  ذاكرة  أخرى  على مقاس  الزمن  الجديد ،  مدينة  لم  تعد  أبوابها  الكبيرة  تغلق ،  فقد  أصبحت  مفتوحة  على  الهذيان على التيه ،  على القبح  ،  الهواء القادم  من البحر لم يعد  ينفد إلى الرئتين ،  أصبح مرا ، فقد  عنفوانه ، الموت وحده سيوقف  هذا الهذيان ، هذا القبح  . موت هذه المدينة ، لتنبعث من جديد ، من رمادها كطائر الفينيق . مدينة  تخلت في  لحظة عن  بدايتها و نهايتها ، و منحت نفسها  بالمجان للبرابرة  الجدد ، مدينة سنحتاج ذات يوم إلى  جواز السفر للدخول إليها ، إثبات هوية ،  هوية  فقدتها  قبل أن نفقدها نحن ،  مدينة  مفتونة  بعشق الآخرين  لكنه عشق كاذب ، حين تخلو إلى نفسها  تخنقها العبرات ، حارة  كالجمر ،  فتغرق  في حالة  من اليأس و الحزن

تنقلب الصورة  رأسا على عقب ،  فتشعر كأن  شرخا  كبيرا قام  بينها و بين ماضيها ، بينها وبين أ بنائها ، غير قابل للرميم . أشياء عديدة تغيرت، سنوات قليلة تفعل في الإنسان و الحجر الشيء الكثير،  مدينة  تحتاج  لقليل  من الفرح ،  قبل سنوات كنا نركض نحو البحر ،  نغسل  براءتنا  في موجه ،  نقاسه غضبه

حين  يحمر ،  اليوم  لم  يعد البحر بحرنا ،  أمواجه أصبحت  رتيبة ،  تسكنها الخيبة  و الفراغ ،  تتقدم  في حزن و انكسار ، وهي تئن ، من بعيد ، تبدو لك رائعة ، وحين تقترب منها تحس بمعاناتها ، بآلامها ، فتنتابك الرغبة  في البكاء ، الرغبة  في الرحيل ،  تحاول أن تبحث عن قبر يسع  جسدك النحيل ،  أن  تكتب على الرمل  وصيتك  الأخيرة .  أن تجالس أصدقاءك  القدامى، أن تحكي  لهم  ذكرياتك  مع البحر ، مغامراتك  البريئة ، رسائل  الحب  التي  كتبتها .  تتوقف فجأة عن  مناجاة نفسك ،  تقرأ على  وجه  البحر همومك ،  تتراجع  مفزوعا ،  تخالجك

تساؤلات  كثيرة ،  تتذكر حكايات  السندباد ،  رحلاته  السبع  ،  تتمنى  لو كنت  السندباد ،  تتمنى  لو أسرتك آلهة البحار ،  تتمدد على  الرمل ، تحس  به  ناعما ، طريا ،  يخفق  قلبك كطائر جريح ،  سقط من عشه  فجأة تحاول أن تحلم ، تنظر وراءك  ، لا شيء سوى الفراغ .  تنظر  حواليك ،  تتحسس  أطرافك ،  لتتأكد أنك  لازلت حيا ،  تمد بصرك  بعيدا  تصدمك البنايات ،  كتل  من الاسمنت،  محطة  البنزين ،  مبنى  البريد  ،  بعض  المقاهي … تصاب  بالدوار  تأتيك  الرغبة  في  الغثيان

تستعرض  أمامك  وجوه  الرفاق ،  رفاق الدراسة ،  الذين رحلوا مبكرا ، الذين غادروا  هذه  المدينة ،  تنكروا  لها ،  كما تنكرت  لهم ،  لم يعودوا يفصحون عن  انتمائهم  لها ، الذين  يتسكعون  الآن بين  دروبها ،  يستجدون  رفاق  الأمس ، الذين  أصابهم  مس  من  الجنون … يوقظك  البحر من  جديد ،  تنظر أمامك ، البحر هو البحر لازال  في مكانه ،  صورته فقط تغيرت  في عينيك ،  ترنو بعيدا .. بعيدا . أسراب  النوارس  تحلق عاليا و أنت

وحدك،  تريد أن  تستلقي  عاريا ،  أن تترك حرارة الرمل  تلفح  جسدك ،  توقظ  فيه  شهوة التحدي ، و البحر أمامك لتطفئ نار الغواية .  تسير وحيدا ،  يأتيك صوت المؤذن  من كل الجهات ،  تنظر إلى البحر نظرة أخيرة ،  بقايا شفق أحمر في الأفق

تشتعل الأضواء ، الأعمدة الكهربائية المتباعدة لا  تكاد تضيء حتى على نفسها ، بعضها  معطل ،  و أنت تسير وحيدا ،  بين  الفينة  و الأخرى  تلتفت  وراءك  ،  كأن  أحدا  يتعقبك ،  تترك  الحرية  لقدميك  لتقودك ،  ترفع عينيك  للسماء ،  بقايا  سحب  شاردة  . و نجوم فقدت بريقها .  ما  أقسى  هذه  المدينة !  حين غزاها  الجراد  ،  أتى على الأخضر و اليابس ، لم  يترك لأبنائها  سوى  التيه ،  و أنت  واحد منهم ،  الدهشة  تملأ عينيك ، و التيه  مصيرك ،  تتيه  في الشوارع  المتثاقلة بالأوساخ  و البرك

النتنة ، و هذه المنازل التي تنبت  كالفطر ،  هذه الوجوه  التي  ترتبط  بالمدينة ،  تعتقد أنها لا تستطيع أن تعيش  خارجها ، وحتى عندما تغادرها ،  فإنها لا تلبت أن تعود ،  تعود بسرعة ،  كأنها فارقتها  لسنوات طويلة ، وأن  تصادف هذه  الوجود  ترى هذه  الحيرة على  محياها  ،  شيء خاص يميزها ،  قد  تقابلها للمرة الأولى  فتعتقد  أنك تعرفها ، أحيانا أخرى ، تترسخ في الذاكرة إلى الأبد  تكتشف أحيانا هذا الشبه  بينك و بين هذه المدينة ،  بل هذا التطابق  بينك وبينها ،  يصل إلى حد الذوبان ، تنسى

أخطاءك  كما  نسيت هذه  المدينة  أخطاءها ،  تسكنك الهزيمة  ،  تتعدد أمامك الدروب ،  فتتيه  كما  تاهت عن  ماضيها. لا أضواء  برتقالية  تدعوك إلى الانتباه ، أو حمراء  تجبرك على الوقوف ، لا أضواء خضراء تدفعك  إلى المرور ،  أنت  حر أن  تتوقف  أنى شئت ،  كطائر ضل  طريقه  إلى عشه ،  أو أضاع  سربه  ،  تواصل طريقك ،  تخترق الأحياء القديمة ، سوق العطارين  ، سوق الخبازين ، الحدادين ،  بائعي النعناع ، لا أحد ،  كل

شيء تغير ، تتذكر طفولتك ، في هذه الأزقة  ، التي كانت تبدو لك أكثر اتساعا ، ضاقت اليوم ، كما ضاق قلبك .  في هذه المدينة  يفقد العالم  شكله ،  و تفقد أنت إحساسك بوجودك .  آه ! ماأشد  حظ هذه المدينة  بالأمس  !  و ما أتعسها اليوم  !  استفاقت  ذات  يوم ،  فوجدت  نفسها  بين أحضان  البحر ،  تستنشق عطره ،  تستلقي  على  صخوره ،  تستحم  فيه  كل  لحظة ، خيط  شفيف  يربطها  بهذا  البحر  تمنحه مفاتنها ، فيجود عليها بكثير من الرزق .  اليوم البحر لم يعد هو البحر ، أصبح  شاردا ، هاربا من زرقته ،  يعيش لحظات الانكسار ،  إحساس بالهزيمة ، شعور بالفجيعة ،  ما أعمق  جرح هذه المدينة ،  سوف  تحتاج  إلى سنوات  قبل  أن  يندمل الجرح ،  و تستعيد  توازنها .  مدينة تبتعد عنا الآن ، تغادرنا ، أو نغادرها ، لا فرق ، الأمر سيان ، حين تسرق أحلامنا ، لم تعد لنا ، تنكرت  لأسمائنا ،  أسماؤنا المنقوشة  على  جدرانها ،  على أبوابها ،  مدافعها التي  فقدت  هيبتها ،  أصبحت  ديكوروا  يؤثث هذه المدينة ،  يأتي أبناؤك إليها ،  يجلسون على  مشارفها ،  كأنهم يتهيأ ون  لحرب من  الحروب القديمة   أو يتخذون  مكانا  قصيا ،  يتأملون  البحر ،  يحلمون  بالسفر ، السفر إلى  ماوراء  البحر ،  يرنون  إلى  شفق  أحمر، يسترجعون الأيام الخوالي ، حين كانت هذه المدينة مدينتهم .  البحر لم  يعد هو البحر ، أصبح   سجينا لأحزانه ،  فرحه غدا وهما ،  مثل أوهام هؤلاء البحارة ، عيونهم مليئة   بالأسى ،  وهم  يعودون ،  خاويي الوفاض ، أي  أسى عميق  يرتسم على ملامحهم  ،  ملامح  لفحتها  شموس  البحر، و أنهكتها الحبال،  والتي حفرت في الأيدي وشما … كل صباح  يعودون ، مطأطئ الرؤوس ،  يحملون  رايات  الهزيمة ،  ينتقمون من  سجائر التبغ  الرخيصة ،  يستلقون على شباك الصيد ،  يثرثرون ،  يسترجعون    حكاياتهم  مع البحر ، مغامراتهم مع  الأسماك الكبيرة ،  مع  نساء المدينة ، يبالغون  أحيانا ،  يبتسمون

ثم يتمددون ، يستسلمون لنوم خفيف .  آه  !  يا صاح ، الأيام تتكرر رتيبة ، أصداء الأحزان  تملأ العيون ،  تدرك  لحظتها ، و بحدسك الطفولي ، أنك  تسير نحو الانزواء ،  و بألمك  يولد  من  الخوف ،  تحاول أن  تصمد  ، أن  تنسى  كل  شيء  لكن  تكتشف أن  صورة  هذه المدينة ،  موشومة  في  ذاكرتك ،  تحاول أن  تنظر إلى برج  ساعتها ،  يصيبك الإحباط  ،  تشعر

بالخيبة ، عقارب الساعة  متوقفة ، أصابها  الصدأ منذ  وقت  بعيد ،  لم يعد  للزمن  قيمة ، القيمة في هذه  المدينة

لمن  يدفع أكثر ، و يأخذ أكثر ، أنت الآن  تعد أيامك الأخيرة ، وأنت أيتها  المدينة  تحتضرين في صمت ،  فتأتي  لوعتك حارقة ، تنتظرين فارسك الأخير على حين غرة ، حين يستسلم الغزاة الجدد إلى نوم وثير .  مدينة بلا روح ،  أنهكتها مساحيق التجميل ،  وفارقها المطر ،  في أيام الطفولة ،كان المطر يأتي مبكرا ،  جميلا  ينهمر بمقدار ، ويمنحك الفرصة للعب ،  لكي تبتل ،  وحين تظهر الشمس تركض ،  تلتمس دفئها ،  وفي أماسي

ليالي الخريف الطويلة ،  تعود مبكرا إلى البيت ،  تنتظر حكايات الجدة  بشغف ،  تحلم بالبطولة ،  تضم ركبتيك  الى صدرك تلتمس الدفء ،  و الجدة تحكي ، تصارع النوم  لتكمل الحكاية ،  حكايات كثيرة ،  لم تعرف نهايتها  وحين تطلب من الجدة صباحا أن تكمل  لك الحكاية ، تبتسم بمكر ، وتقول ، إذا حكيت  نهارا فإن  أبنائي  يولدون  صلعان ، كنت  تقبل حجتها بصدر رحب ، وتنتظر المساء .  سنوات طويلة انقضت ،  لكن ذلك  ظل موشوما في   ذاكرتك ، كأنه حدث بالأمس .   في هذه المدينة ،  تفر الدروب  

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

آعتبة الإهداء في الديوان الشعري المغربي المعاصر

كتبها الرموتي حسن ، في 23 فبراير 2009 الساعة: 14:43 م

آقاق الكتابة › تحرير.

   عتبات   الكتابة:        الإهداء

                                                نماذج من الاهداءات في الديوان الشعري المغربي المعاصر

 

 تقديم

 

    إن التطور المهم الذي  شهدته الدراسات النقدية المعاصرة ،  أفضى إلى  ظهور مفاهيم  و مصطلحات     جديدة،  هذه  المفاهيم أعادت  الاعتبار إلى  جوانب أساسية  في النص الإبداعي ،  حيث  طل التعامـل    معها هامشيا إلى  وقت  قريب،   ومن أهم هذه المصطلحات :  النص الملحق أو الموازي paratexte  .   النص الموازي أو الملحق - أو المصاحب - 1 هو ما أصطلح عليه  في أغلب الدارسات النقدية العربية     بالعتبات – أو عتبات الكتابة -   و يقصد  بذلك ،  جميع العناصر المرتبطة بالنص أو الأثر الأدبي و التي    تشكل  مدخلا لقراءة  النص فهذه العتبات هي التي ستقود القارئ ، الناقد إلى مركز الانفعالات ، و حركية   الحياة في مسالك النص 2 ،   بمعنى آخر تشكل هذه العتبات قنطرة أساسية  للعبور إلى النص ، و النص   بدون هذه العتبات أو المداخل  سيكون عالما مغلقا يصعب اقتحامه.  و يعتبر الناقد الفرنسي  جيرار جينيت g.  genette    من أهم المنشغلين  بالنقد  في هذا المجال ، خصوصا عند  صدور كتابه الهام  – عتبات -  - seuils -  الذي صدر سنة 1987 .  وقد  تحدث جينيت عن ما أسماه المتعاليات النصية ،  ومن أبرز هذه  المتعاليات :  pratexte  أو المناص و يعتبره  كل ما يدور في  فلك النص  من  بعيد أو قريب و قد قسـمـه  إلى النص الملحق المباشر peritexte-  - مثل العنوان  و التمهيد و الإهداء و النص الملحق غير المباشر  Epitexte  مثل الاستجوابات و المراسلات… 3

 هكذا  تصبح هذه العتبات عبارة عن  مداخل للنص ،  تشرع أمام المتلقي الطريق لاقتحام هذا النص ،  و من  خلالها يبني أفق إنتظاراته  و توقعاته ،  وهذه العتبات  لها وظائف متعددة ،  و تتخذ أشكال  مختلفة  «… لها سياقات  توظيفية  تاريخية  و نصية  و وظائف تأليفية  تختزل جانبا من منطق الكتابة. »4   فهذه العتبات إذن مثل  اسم  المؤلف ، العنوان ، العنوان  الفرعي ، الإهداء ، التقديم ، الغلاف ، الصور ، الألوان ، الطباعة  شكل  الحروف… كل هذه العتبات  تحمل  في  جوهرها دلالات  مباشرة، أو غير مباشرة  لها صلات  و وثيقة بحمولة النص ،  بالإضافة إلى  دلالاتها الرمزية  و الإيحائية و التي  تشكل عنصر إثارة  تدفع القارئ إلى التعامل  مع النص انطلاقا من  تمثله  و تأويله لهذه المداخل .  وهذه العتبات  يتحمل كل  من  الكاتب و الناشر دورا أساسيا  في  تحديد  معالمها ،  ذلك أن المبدع أثناء  كتابته  للنص ،  و اختياره  للعنوان ،  و الإهداء… يظل المتلقي  حاضرا في  ذهنه ،  فهو يسعى إلى  إثارة انتباه القارئ  بل إلى استفزازه  أحيانا ،  ثم يأتي دور الناشر – الطبعة –   من  خلال  طريقة  إخراجه  للعمل و اختاره  لشكل الغلاف  ،  نوع الورق ،  الخط ، الألوان ، التصدير ، الحواشي … وقد  يتم  ذلك  دون استشارة  الكاتب .  لكن  ما يهمنا  في  هذه المداخلة هوالتركيز على عتبة  واحدة  من هذه العتبات : الإهداء ،  مع محاولة إبراز نماذج من هذه الاهداءات المتصدرة للدواوين الشعرية المغربية المعاصرة .

 

       الإهداء

 الإهداء عتبة من عتبات الولوج إلى النص، وهو يندرج  ضمن النص الموازي المباشر، و لا يقل أهمية في   دلالته عن اسم المؤلف و العنوان،  لأنه  يشكل عنصرا مساعدا  لاقتحام النص  فهو « …أحد المداخل الأولية  لكل قراءة  ممكنة للنص…  » 5  و إن  كان الإهداء  كعتبة ليس  ضروريا و ملزما لكل النصوص بخلاف العنوان و اسم المؤلف ،  فإن  وجوده  يؤشر على أهميته ،  أي أهمية المهدي إليه  في علاقـته بالكاتب  من جهة،  و من  جهة أخرى  قيمة  النص – مضمونه –  في علاقته  بالمهدي إليه. و الواقع  إن الاهداءات  في  مقدمات الكتب  و المصنفات  ليست  ظاهرة  جديدة ،  فالعديد  من  أمهات  الكتب  التراثـية نجدها  مهداة لأشخاص  معينين ، ففي  مقدمات الكتب التي  تناولت  الآداب السلطانية … يهدي المؤلف من خلالها  كتابه إلى  رجل  السلطة،  و غالبا ما  يكون  الإهداء  صريحا اسميا… 6  لكن  النقد المعاصر  تكمن أهميته  في  محاولته  تحليل هذه الاهداءات ، و اعتبارها جزءا من النص و مكملة  له ،  لها دور في إضاءة دروب  القراءة،  خصوصا عندما  يكون  مضمون هذا الأثر الأدبي  له  علاقة  مباشرة أو غير مباشرة  بهذا الإهداء.  فالإهداء  من هذا  الجانب هو خطاب حول النص ، مرتبط  بالكاتب.  يحاول  من  خلاله الاحتفاء  بالمهدي إليه ، بل أحيانا                             

نجد في الديوان نفسه ،  اهداءات  متعددة ،  فكل  قصيدة  يتصدرها إهداء خاص.  وعموما  يمكن  تحديد  ثلاث صيغ  يتخذها الإهداء : الإهداء العام ، الإهداء الخاص ،  الإهداء المشترك.  الخاص  يتوجه إلى  شخص  معين تربطه علاقة  حميمية  بالكاتب  كالأب ،  الأم ، الزوجة. . .أما  العام  فإنه  يتوجه  إلى شخص أو أشخاص غير محددين  قد  يكون المتلقي  نفسه… أما  الـمشـترك  فيعنى  بالتوجه إلى  أشخاص  محددين  ،  و يتواشج  فيها الإهداء  مع  العنوان  أو نصوص الكتاب 7  لكن  الملاحظ أن  بعض الاهداءات  تكون مفتوحة ، أقصد أنها غير موجهة  للأشخاص ،  لكن الشاعر يهدي إليها إبداعه ، و سنرى نماذج من هذه الاهداءات المفتوحة . و مجمل القول ،  فالإهداء هو  تكريم و احتفاء  بالمتلقي  و تعبير عما  يحضى  به  من اعتبار و تقدير من  قبل المؤلف 8 ،  له  دلالات  عميقة ، و سياقات  متنوعة ،  و أحيانا أبعادا  جمالية ،  تختلف من مبدع لآخر ،  تتحكم  فيها  شروط الزمان  و المكان و العلاقات،  كذلك قيمة  الشخص المحتفى  به  و المهدي  إليه هذا العمل .

 

نماذج من الاهداءات الخاصة

 

ففي ديوان الشاعر محمد بشكار :ً ملائكة في مصحات الجحيمً يتخذ الإهداء دلالة مجازية و شاعرية و إن  كان  إهداءا خاصا ،  وهو موجه إلى الأب و الأم  ، الأب  الذي  يكد  من اجل الرغيف ،  يسـهـرالليالي  لينير الطريق لعياله… و الأم –  ايجة –  التي  يشبه اسمها  أحد البحار في  المتوسط   بحر إيجة –  الموجود  بين اليونان  و تركيا  ،  لذلك  فالبحار  تغار من  أم  الشاعر ،  تغار من  اسمها  و حنانها  ،  جاء   في الإهداء   «  إلى أبي  الذي احتطبته  الليالي  لتضرم  قمرا صغيرا اسمه الرغيف… إلى إيجة أمي  التي تغار البحار من اسمها.. » .     و الملاحظ أن حضور الأبوين  في القصائد  يبدو نادرا جدا.

أما محمد عرش  في  ديوانه  ً  أحوال الطقس الآتية  ً  فالإهداء عنده  يقترن  بالمعاناة، الإحساس  بالألم اتجاه  قبر أمه  الذي  لا يعرفه ،  و الشعور  بالألم أمام  الزوجة التي احترقت هي  كذلك  بالكتابة «  إلى التي  رحلت،  دون أن تترك عنوان  قبرها  تلك أمي !  إلى التي اكتوت  بلهيب الكتابة ،  متحملة جوها زوجتي ! »

بخلاف  الشاعر  محمد  الخمار الكنوني  في  ديوانه  ً رماد هسبيريس ً  جاء الإهداء  مباشرا ،  صريحا  مفردا يعكس  علاقة  الشاعر  بوالدته ، علاقة  طبيعية مباشرة  لا  تخلو من  حميمية و اعتراف  «  إلى  والدتي  » .   وفي الصفحة الثالثة  من  ديوان  الشاعر  محمد الأشعري الموسوم  ً  سيرة المطر  ً جاء الإهداء  خاصا  كذلك ،  لكنه  موجه إلى  العم ،  و أكيد أن العلاقة  بين  الشاعر و بين عمه  علاقة  قوية  و حميمية ،  و الإهداء هو اعتراف  بالجميل ، هذا العم  هو بمثابة الأب ،  والذي  رغم  سنوات المعاناة التي عاشها،  فإن الأمل  ظل  نبعا  رقراقا  «   إلى العم… الأب  الذي  روض  سنوات  اليتم  و استمر نبعا لا  يعرف النضوب » .  وفي  مجموعته الشعرية    ً  قبلة  بلا  شفة   ً   لحسن  منصور  جاء  الإهداء  خاصا  لكنه  غير  محدد  ،  ربما  هو  نوع  من هروب  أو  مكر ،  يستفز المتلقي  يدفعه  إلى  فتراض هذا  المهـدي إليه .  جاء  في  الإهداء  «   إلى  التي … وهي  تدرك  تتمة  كلماتي … مع  صادق  محبتي… حسن » .

 لكن  من خلال قراءة  قصائد الشاعر  يمكن  إن  نفترض هذا المهدي إليه ، مادام الأب و الأم و الزوجة غائبين

في هذا الديوان ،  و هذا الفراغ الذي  تركه الشاعر عمدا  يعكس هذا الهروب ،  في عدم الإفصاح  عن المهدي

إليه .   

نماذج من الإهداءات المفتوحة  :        

وهي اهداءات غير موجهة للأشخاص ،  تتسم أحيانا  بنوع من المفارقة ،  و أحيانا  بنوع من الشاعرية . في  ديوان ً   مزامير  ً لحسن الامراني  يتأسس  الإهداء على  نوع  من المفارقة ،  تجمع  بين  كلمتين تنتميان إلى المعجم الطبيعي ،  مما  يفتح المجال أمام  تأويلات  متعددة ، بالرغم من أن الإهداء جاء  قصيرا «  إلى الصحو الممطر » .

و بالعودة إلى ديوان  مفدي أحمد المعنون ب ً  في انتظار موسم الرياح  ً  نجد الإهداء  لديه يجمع  بين عناصر متعددة  ،  يجتمع  فيها  الشخصي  بالطبيعي   يقول  «  إلى الذي  وضع  يدي على  جرح  لما  يندمل… . و نبه إحساساتي  إلى  كوامن  المأساة …  إلى  كل  حبة  رمل  و قطرة  ماء  و ارتعاشة  غصن  و غضبة  وجه  في  وطني ، أهدي  هذه  التوقيعات.. » . و بالرجوع  إلى قصائد  الديوان  نكتشف العلاقة الموجودة  بين الإهداء و مضمون  النصوص  ،  حيث  الإحساس  بالمرارة  و المأساة  في  وطن  يدوس  كرامة الإنسان .  و في  إهداء  للشاعر أحمد  الجو ماري  في  ديوانه  ً أشعار في  الحب و الموت ً  في الصفحة الثالثة ،  يمكن  قراءة الإهداء   قراءات  مختلفة ،  لكن  ما  نستخلصه  هو ما  تعكسه  قصائد الديوان ،  ذلك الصراع  بين الألم  و لأمل ،  بين الحرية  و الاستعباد  ،  بين  المعاناة  و الغد  المأمول المشرق ،  و تمجيد  كل الذين  قدموا أرواحهم  من  أجل الكرامة  و الحرية .   يقول  الجو ماري  :  «   إلى  الطيور الوديعة  التي  أسقطها الجبناء  في  بداية  رحلة… تحية  إلى  الأشجار  الشامخة  التي   تقف  وراء  القضبان   و خلف  امتداد  البحر  لتعلن  عن  ميلاد  طفلتنا

المتمردة  » . في  حين  يأتي إهداء حسن الامراني  في  مجموعته الشعرية ً الزمان الجديد ً على النحو التالي : «  إلى حلم المطارد » .  و يعكس  ذلك الإحباط  و الخيبة التي  يعانيها الشاعر  في  وطن  لم يمنحه سوى الألم  و المعاناة .

      نماذج من الاهداءات المشتركة

الاهداءات  الموجهة إلى أشخاص  متعددين  و محددين  نصادفها  في  عدة  دواوين  شعرية  مغربية  معاصرة   ولعل  أهم  ما  يجمع   بينها  هو  النضال  و التمرد  ضد  الاستبداد  ،  و السعي  نحو الحرية  و تحقيق  العدالة  المساواة  في  وطن   يرزح   تحت  وطئة  الحيف  و الفقر .  ففي  ديوان   ً  نجوم  في  يدي  ً   لمحمد الحبيب

الفرقاني جاء : « إلى الذين  يمدون أيديهم  في جنح الليل  ينسجون  من  ظلمته ا شراقة الصبح الضاحي  ليوم

غد. .. إلى  الذين  يحرقون  أنفسهم  ترتمض  ومضاتها على  مجاني الطريق …  و إلى  الذين  حرمتهم  الحياة

اذرعها الحافية ،  و لكنهم  ظلوا مع  ما يعفهم  من حرمان  و بؤس ،  يحملون الأمل الأكبر  في  الحياة .. . من

اجلهم  جميعا ،  انزع  هذه  التأويهة  من  صدري  » .  و بالرجوع  إلى  قصائد  الديوان  نكتشف  هذه  العلاقة

بين القصائد و الإهداء،  باعتبار الشاعر  مناضل  سياسي عاش تجربة الاعتقال  مرات عديدة .

أما  محمد  بنعمارة  فجاء  إهداؤه   قصيرا و معبرا في  اضمومته  الشعرية  ً  نشيد الغرباء ً  يقول «  إلى  من

يهدمون  الأوثان … إلى  قوافل  الغرباء   »  .  و تتسم  قصائد  الديوان  

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ذكـــرى مـقـبــرة قصائد

كتبها الرموتي حسن ، في 23 فبراير 2009 الساعة: 14:09 م

آقاق الكتابة › اضف ادراجا جديدا.

                                      

 

 

 

 

 

                                

                                    ذكرى مقبرة

                                   و شاعر حزين

                                   يحتسي عصير جمجمة ،

                                   و النادل نشوان ،

                                  على حافة الفنجان

                                   فراشة ،

                                   تبحث عن بائع التوابيت

                                   لجسمها النحيل .

 

 

 

 

                            

 

                             

                                في اتساعه

                                يستوطن البحر

                               جرح الكلمات ،

                               و في امتداده

                               يبوح بسر انكساره

                               و بين اتساع و امتداد

                               يعلن الموج لحظة حداد .

 

 

 

 

 

 

 

 

                                 

 

 

                                     على سديم الروح

                                      تحط الحساسين جدلى

                                     و البحر يفتح أبوابه للعابرين

                                     ويمنح رغيفا لمحارب

                                     نسيه الموت

                                     في خوذة جندي.

 

 

 

                        

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

السندباد الرمز في الشعر المعاصر من خلال خمسة نماذج

كتبها الرموتي حسن ، في 23 فبراير 2009 الساعة: 14:06 م

آقاق الكتابة › اضف ادراجا جديدا.

                                                               1

 

          السندباد الشخصية – الرمز – في الشعر العربي المعاصر

                                          

                                       من خلال خمسة نماذج

 

 

 

العلاقة  بين الأدب  - الشعر-  و التراث  علاقة  قديمة ،  لذلك  كان التراث  مصدرا  مهما وثريا للعديد  من  الشعراء  المبدعين  ، الذين  و جدوا  فيه  منبعا  للرؤية الشعرية ،  هذه  الرؤية هـــي وسيلتهم  للتعبير،   تعكس  في  جوهرها  هموم  الإنسان ، الواقع  الذي   يعيشه   الماضي  الذي يسكن  بداخله  ، الحاضر  بكل  إخفاقاته  و طموحاته  ،  و المستقبل  الذي  يحاول  بـناءه  عــن طريق الحلم  – الشعر-   لذلك  كانت  العودة  إلى  التاريخ  ، إلى أحداثه ،  و شـخصـياتـــه في  كل  أبعادها  الدينية  و التاريخية و الأسطورية …  ثم  كان  استحضار هذه  الرموز ليخلق لها المبدع  واقعا  في تجربته الشعرية المعاصرة .   بمعنى أن محاولـة  استحضار هذه  الرموز- الشخصيات  خصوصا -  ليس من  منظور توثيقي –  تاريخي  مباشر،  لكن  من  زاوية  ابداعية و ذلك  من  خلال إحياء  هذه  الشخصية  ضمن السياق الشعري  للقصيدة  ،  و إعطائها  أبـعادا متعددة  ، أي لا نوظف  الرمز لخدمة  القصيدة ،  و إنما  توظف  القصيدة  لخدمة  الرمز 1  من هذا المنطلق  فإن  توظيف هذه  الرموز في النص الشعري العربي المعاصر ليس بالأمر السهل، إن ذلك  يحتاج إلى قوة إبداعية  و فنية ، حتى  نستـطيع أن  ننقل هذه  الشخصيات من  طـابعـهـا التاريخي الفردي  إلى  المستوى الإنساني العام ،  لذلك لم  يكن  توظيف الشعراء  العرب  لـهذه الرموز موفقا دائما .

ونحن  حين  نستقرأ المتن الشعر العربي المعاصر ،  نكتشف  هذا الكم الهائل  من الشخصيات التي تم توظيفها ، و هي شخصيات تنتمي إلى  ثقافات متعددة ، و مراحل  تاريخية  مختلفة ،  منها ما هو أسطوري ،  و منها ما هو تاريخي  أو ديني ،  و منها  ما هو معاصر ، لكن  ما  يجمع  بينها هو بعدها  الإنساني ، التضحيات  التي  قدمتها  في  سبيل إسعاد  البشرية ،  بغض النظر عن  حقيقة وجودها . و لعل من  ابرز هذه الرموز على سبيل المثال لا الحصر نذكر: برومثيوس الذي سرق النار من الآلهة للبشر ، أوديب  قاتل الوحش على أبواب  طيبة ، سيزيف الحامل  لصخرة العذاب جنكيزخان السفاح  ، امرؤ القيس الملك الضليل ،  أبو العلاء                                                          

 

 

المعري الشاعر الحبيس ، السند باد العاشق  للسفر ، غارسيا  لوركا  الاسباني الذي  أعدمه  فرانكو ،  جميلة  بوحيرد الجزائرية التي قاومت الفرنسيين  ،  عبد الكريم  الخطابي  قائد  ثورة  الريف  ، هوشي  منه  الثائر الفيتنامي…. أيوب النبي الصابر ، طارق بن زياد الفاتح ، صلاح الدين الأيوبي … هذه  نماذج  من  الشخصيات  الرموز التي  استلهمها الشعراء  العرب  المعاصرون  للتعبير عن قضاياهم انطلاقا من رؤية كونية .

و لعل  من أبرز هذه  الرموز –  السند باد -  الذي  استهوى  العديد من الشعراء  ، هذه الشخصية التراثية التي  جابت  الآفاق  بحثا  عن  الثراء  و المغامرة  ،  ستأخذ  عند الشاعر المعاصر أبعادا أخرى ،  دلالات معاصرة .  ولعل  من أبرز هؤلاء  :  بدر شاكر السياب العراقي   خليل حاوي اللبناني  ،  محمد الفايز الكويتي  و محمد  علي الرباوي  المغربي ،  و سنحاول  أن   نبرز كيف استلهم  كل منهم  شخصية السندباد.  فخليل  حاوي  في  قصيدته  « السند باد في رحلته الثامنة » هي  سفر في  كينونة  الذات ،  و غوص  في النفس  الإنسانية  بكل  آلامها . الرحلة  الثامنة هـي في عمقها  اغتراب الذات الشاعرة  عند  حاوي ،  فقد أضاع  كل  شيء ،  فقد  قدم  خليل  حاوي لقصيدته هاته  في  ديوانه  الثاني  « الناي  و الريح »  بقوله :  « …  والقصيدة رصيد  لما عاناه عبر الزمن ،  في  نهوضه  من  دهاليز ذاته  ، إلى  أن  عاين الانبعاث ،  وتم  له  اليقين .. » 2                    

إن معاناة  حاوي  هي  صراع  بين الموت  و الانبعاث ،  بين  السقوط و الانتظار . فدار الشاعر هي رمز لذاته . يقول حاوي  :   

                                            داري التي ابحرت غربت معي               

                                       و كنت خير دار

                                      أود  لو أفرغت  داري ، عّله

                                      إن مّر تغويه ، و تدعيه

 الشاعر يريد أن يتخلص من كل شيء، لينتظر الذي يأتي و لا يأتي.

                                          عشت على انتظار   

                                      لعله إن مّر أغويه،

                                       فما  مّر  .3

 

                                                            

      أما  بدر شاكر السياب ،  فعلاقته  بالسندباد  تصل إلى  حد الذوبان  ،  يصعب  فيها الفصل  بين  الذاتين ، الحقيقية  و التراثية .  فإذا  كان  السندباد  دائم  السفر تاركا  زوجته ،  ليعود  بعد  ذلك  مهما  طال السفر،  محملا  بالهدايا و المال ،  فإن  السياب  كان  كثير التنقل  بين العواصم  بحثا وأملا  في الشفاء  و العودة إلى جيكور حيث  زوجته إقبال  تنتظر. يقول في قصيدته رحل النهار :                              

                                      رحل النهار

                                     ها انه انطفأت ذبالته على أفق توهج دون نار

                                     و جلست تنتظرين عودة السندباد من السفار

                                 …………………………………………..

                                    هو لن يعود

                                    فلترحلي، هو لن يعود 4

ذلك هو الإحساس عند  السياب  ،  فقدان  الأمل  في  العودة ،  و رؤيته  لسماء  قريته  من  جديد هذه المأساة  تتجسد في هذا  الصراع  بين الأمل و الألم ، هذا الأمل  الذي  سيضيع عندما  يموت الشاعر بعيدا  و قد احتضنته إحدى  مستشفيات الكويت .  وهو نفس  الصراع  الذي عاشه  خليل حاوي بين الموت  و الانبعاث ، لينتهي  تلك  النهاية التراجيدية  منتحرا ، وهو انتحار مقدس  في بعده الرمزي ، تعبيرا عن رفضه للاجتياح الإسرائيلي للبنان .

أما الشاعر محمد الفايز الذي توفي  سنة  1991 في ديوانه  « مذكرات بحار »  فهو يمزج  بين تجربته و تجربة وطنه الكويت في علاقتهما  بالبحر و أهواله  من خلال البحث عن المحار واللؤلؤ في صراع مع البحر و الأسماك المفترسة، فطقوس ألف ليلة و ليلة  وخصوصا رحلات السند باد حاضرة  في ذهن الشاعر، لكنه حضور فني ، ليجعل أسفاره  في البحر صراعا مع الغزاة  و مع الفقر ، أي  صراع مع الحياة ،  لكن ها الصراع  مشبوب  بالأمل المؤجل ، ليست  له بداية  و لا نهاية ، أما الذات – الرمز-  فينتهي بها المطاف ،  بعد حياة طويلة مع الأمواج  إلى السكون حين يهن العظم و يشتعل الرأس شيبا، وتكمن هذه المأساة عند الزوجة التي لازالت تحلم بالثراء .  يقول محمد الفايز :        

                                       و لسوف تغرقني هداياه الكثيرة

                                       العطر و الأحجار و الماءالمعطرو البخور                                                       

                                    

                                          و لقاؤه لما يعود كأنه بدر البدور

                                          و تظل تحلم و الحياة                                         

                                     

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

مـــدائـــن الـتــــيـه - قصائد-

كتبها الرموتي حسن ، في 23 فبراير 2009 الساعة: 14:02 م

آقاق الكتابة › اضف ادراجا جديدا.

   

                                   الـــــــــتــــيــــه                                 

                                               

                                                         

                                                    1

 

     

                                         لو تنحني سحابة الصيف

                                           قليلا

                                          لأرى وجه أمي

                                           يهفهفه حنين المساء

                                          لو تنحني قليلا سحابة

                                          الخريف    

                                         لأرى وجه أبي

                                         وفي العينين ،حزن شفيف

                                         آه لوتنحني سحائب كل

                                         الفصول

                                         لأرى وجهي ، وجوه الغرباء 

                                             

                                          

                                             2

                                       هدا المساء

                                       يأتيك ساعي البريد

                                       قبل صفارات الإنذار

                                       و ساعي البريد

                                       تاهت رسائله ،

                                       في شوارع المدينة

                                      ومن بعيد

                                      في محفظته يعيد

                                      ترتيب الحنين .                                                  

                                   

                      

                                                  3

 

                                    في محطة القطار

                                    ينتظر المحارب غيمة شاردة

                                    والفراغ يتجول وحيدا

                                    و المحارب يحلم بوطن

                                    في حجم سرير

                                    أو بقبر لا يتسع لسواه

                                     و بحساء أخير.

 

 

                                           

 

 

                                            4

                                      

                                  

 

 

                                فاجأني الحنين

                               يسألني عن سر يمامة

                              حطت على قلبي

                               تستعير بعض الذكرى

                               قلت :

                               حزن القلب

                               في هديل اليمام .

 

 

                                           

                                          6

     

                                  أنت ألآن وحدك

                                   تلوك حلما قديما

                                  وخبزك مّر

                                  وتقول : كان لنا وطن

                                  أيها القادم من حزن الغواية

                                  غدا

                                  في عينيك

                                  تشرق شموس البداية .               

      

                                             

                        

                             

                      

                                    7

                           

                          هذا المساء

                          و في المساء الأخير

                          نفتح ممرات لدمنا

                          فينسل البحر من أصابعنا

                         يهبنا موجة حزينة

                         وحبة قمح و منفى

                         في المساء الأخير

                         يبحث البحر عن شاطئه سدى

                         ثم يغور…

 

                        

                                     8

 

                    تعيرني القواميس القديمة

                   حروف الهجاء ،

                  و كما أشتهي

                  أفر من ظلي إلى ظلي

                  فتحاصرني اللغة

                  أوزع الكلمات على العابرين

                  إلى حتفهم ، و أرثي لغة

                 ماتت في قصائد المديح      

                               9

 

                     في القصيدة لم يعد

            

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

السابق التالي